حوارات حول الأفكار(252) : أديس..حوار بلا وطن (24) : من أين يبدأ الحل في السودان؟: إعادة ترتيب الأولويات الوطنية : د. حيدر معتصم مدني : إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار

ظل السودان لعقود طويلة يبحث عن:
حلول سياسية،
وتسويات مرحلية،
واتفاقات انتقالية،
ومعادلات لتقاسم السلطة.
ومع كل أزمة جديدة كان السؤال يتكرر:
كيف نخرج من الانهيار؟
لكن المشكلة الحقيقية أن معظم محاولات الحل كانت تبدأ من:
النتائج…
لا من الجذور.
ولهذا ظلت البلاد تدور داخل الحلقة نفسها:
صراع،
ثم تسوية،
ثم انهيار جديد،
ثم صراع آخر.
ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس:
ما هي التسوية القادمة؟
بل:
من أين يجب أن يبدأ الحل أصلًا؟
في تقديري أن واحدة من أكبر مشكلات السودان أن ترتيب الأولويات الوطنية ظل مختلًا بصورة عميقة.
فالصراع على:
السلطة،
والحكومة،
والمواقع،
والتحالفات،
تقدم باستمرار على:
بناء الدولة،
وبناء المجتمع،
وبناء المرجعية الوطنية المشتركة.
وهنا أصبح المجال السياسي يتحرك فوق:
أرضية غير مستقرة.
ولهذا فإن أي مشروع حقيقي لإنقاذ السودان لا يمكن أن يبدأ فقط بـ:
تشكيل حكومة،
أو توقيع اتفاق،
أو إعادة توزيع السلطة.
بل يجب أن يبدأ أولًا بإعادة ترتيب:
الأولويات الوطنية نفسها.
أي الانتقال من سؤال:
من يحكم؟
إلى سؤال:
ما الذي يجب بناؤه قبل الحكم؟
ومن هنا فإن السودان يحتاج إلى إعادة تعريف:
فكرة الحل نفسها.
لأن الحل ليس مجرد:
إيقاف حرب،
أو تشكيل سلطة انتقالية،
أو إجراء انتخابات.
فهذه كلها خطوات مهمة…
لكنها لا تكفي وحدها لبناء دولة مستقرة.
لأن الدولة لا تستقر فقط عبر:
إدارة السلطة،
بل تستقر حين تنجح في بناء:
مرجعية وطنية،
ومجتمع متماسك،
وثقة عامة،
وإحساس بالمصلحة المشتركة.
ولهذا فإن نقطة البداية الحقيقية ليست:
القصر الجمهوري…
بل:
المجتمع.
أي:
إعادة بناء المجال الوطني من الأسفل إلى الأعلى.
ومن هنا تظهر الأولويات الحقيقية لأي مشروع وطني سوداني:
أولًا:
إعادة بناء الثقة الوطنية.
لأن المجتمع الذي يفقد الثقة:
في الدولة،
وفي السياسة،
وفي النخب،
وفي فكرة الوطن نفسها،
لا يستطيع إنتاج استقرار طويل المدى.
وثانيًا:
بناء مرجعية وطنية مشتركة.
أي تحديد:
ما الذي يجب أن يبقى فوق التنافس السياسي؟
مثل:
السيادة،
ووحدة الدولة،
والأمن القومي،
والمصلحة الوطنية العليا.
وثالثًا:
إعادة الاعتبار للمجتمع.
عبر:
تقوية المؤسسات المدنية والأهلية،
وبناء المجال العام،
وحماية المجتمع من الاستقطاب والاحتكار السياسي.
ورابعًا:
إعادة تعريف وظيفة السياسة.
بحيث تعود السياسة إلى:
إدارة التنافس داخل الدولة،
لا إعادة اختراع الدولة في كل مرحلة من مراحل الصراع.
وخامسًا:
بناء مفهوم وطني للأمن القومي.
يربط بين:
السيادة،
والاقتصاد،
والهوية،
والتعليم،
والتماسك الاجتماعي،
لا مجرد القوة العسكرية وحدها.
وسادسًا:
إعادة بناء العلاقة بين:
الدولة،
والجيش،
والمجتمع،
والسياسة،
داخل توازن وطني واضح.
لأن اختلال هذه العلاقة ظل واحدًا من أكبر مصادر الاضطراب في السودان.
ومن هنا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى:
تغيير النخب…
بل يحتاج أيضًا إلى:
تغيير طريقة التفكير نفسها.
أي الانتقال من:
عقلية إدارة الأزمة…
إلى:
عقلية بناء الدولة.
ومن أخطر ما واجه السودان أن كثيرًا من القوى السياسية تعاملت مع:
المرحلة الانتقالية،
وكأنها مجرد معركة للوصول إلى السلطة.
بينما الانتقال الحقيقي في أي دولة هو:
عملية إعادة تأسيس شاملة.
أي بناء:
الوعي،
والمؤسسات،
والثقة،
والمرجعية،
والمجتمع،
قبل بناء الحكومات المستقرة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:
كيف نوقف الانهيار؟
بل:
كيف نبني دولة لا تعود للانهيار في كل مرة؟
وهنا يصبح الحل الحقيقي مشروعًا:
حضاريًا،
ومجتمعيًا،
وسياديًا،
لا مجرد صفقة سياسية مؤقتة.
ومن هنا فإن السودان يحتاج اليوم إلى:
إعادة ترتيب كاملة لأولوياته الوطنية.
بحيث يصبح:
بناء الدولة…
أسبق من الصراع على السلطة.
وبناء المجتمع…
أسبق من المحاصصة.
وبناء المرجعية الوطنية…
أسبق من التحالفات المؤقتة.
لأن الأوطان لا تُنقذ فقط بتغيير الحكومات…
بل تُنقذ حين تنجح المجتمعات في:
إعادة تعريف ما الذي يستحق أن يُبنى أولًا.
وهذه هي نقطة البداية الحقيقية لأي مشروع سوداني يريد أن ينتقل من:
إدارة الفشل…
إلى:
بناء الدولة.
