حوارات حول الأفكار : أديس حوار بلا وطن (22) : الأمن القومي بوصفه مشروع بناء لا مجرد وظيفة عسكرية : د. حيدر معتصم مدني : إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار

من أكثر المفاهيم التي تعرضت للاختزال في الوعي السياسي السوداني مفهوم:
الأمن القومي .
حتى أصبح عند كثير من الناس مرتبطًا فقط بـ:
الجيوش،
والحروب،
والأجهزة الأمنية،
وحماية الحدود.
ورغم أهمية هذه الجوانب، إلا أن اختزال الأمن القومي فيها وحدها يُفقد الدولة القدرة على فهم:
مصادر القوة الحقيقية…
ومصادر التهديد الحقيقية أيضًا.
لأن الأمن القومي في معناه العميق ليس مجرد:
حالة عسكرية،
بل هو:
حالة توازن واستقرار وقدرة شاملة تضمن بقاء الدولة والمجتمع واستمرار مشروعهما الوطني.
أي أن الأمن القومي لا يبدأ من البندقية فقط…
بل يبدأ من:
الإنسان،
والمجتمع،
والهوية،
والاقتصاد،
والسيادة،
والمرجعية الوطنية المشتركة.
ولهذا فإن الدول المستقرة لا تبني أمنها القومي فقط عبر:
التسلح،
أو التحالفات العسكرية،
بل تبنيه أيضًا عبر:
التعليم،
والاقتصاد،
والتماسك الاجتماعي،
والهوية الوطنية،
والعدالة،
وقوة المؤسسات،
والقدرة على إنتاج مشروع وطني جامع.
ومن هنا فإن أخطر تهديدات الأمن القومي ليست دائمًا:
الجيوش الخارجية.
بل قد تكون:
الانقسام الداخلي،
أو انهيار الثقة الوطنية،
أو تفكك المجتمع،
أو ضعف الهوية الجامعة،
أو الارتهان للخارج،
أو غياب الدولة نفسها.
وهذا ما يجعل مفهوم:
“الأمن القومي الشامل”
ضروريًا لفهم الأزمة السودانية.
لأن السودان لم يواجه فقط:
تهديدات عسكرية،
بل واجه أيضًا:
أزمات هوية،
وتفككًا اجتماعيًا،
واستقطابًا سياسيًا،
وانهيارًا اقتصاديًا،
وصراعًا على المرجعية الوطنية.
أي أن الأزمة تجاوزت:
حدود الأمن العسكري التقليدي.
ولهذا فإن بناء الأمن القومي السوداني لا يمكن أن يقتصر على:
إعادة بناء الجيش،
أو إصلاح الأجهزة الأمنية،
أو حماية الحدود فقط.
بل يحتاج أيضًا إلى:
إعادة بناء المجتمع نفسه.
أي:
بناء الثقة الوطنية،
وحماية الهوية الجامعة،
وتقوية المؤسسات،
وبناء الاقتصاد،
واستعادة السيادة الوطنية،
وإنتاج مرجعية تعلو فوق الاستقطاب.
لأن الدولة التي تفشل في:
بناء مجتمع متماسك،
لا تستطيع حماية نفسها مهما امتلكت من أدوات القوة العسكرية.
ومن هنا فإن الجيش الوطني ـ رغم أهميته الكبرى ـ لا يستطيع وحده أن يحمل عبء:
الأمن القومي.
لأن الأمن القومي الحقيقي مسؤولية:
الدولة كلها،
والمجتمع كله،
والمؤسسات كلها.
ولهذا فإن الأمن القومي ليس نقيضًا:
للديمقراطية،
ولا للمجتمع المدني،
ولا للحرية.
بل على العكس.
فالمجتمع الواعي والمنظم والمتماسك هو أحد أهم مصادر:
القوة الوطنية.
ومن أخطر ما حدث في السودان أن مفهوم الأمن القومي جرى أحيانًا:
تسييسه،
أو اختزاله،
أو استخدامه داخل معارك السلطة.
وهنا فقد معناه الاستراتيجي الحقيقي.
لأن الأمن القومي لا ينبغي أن يتحول إلى:
شعار حزبي،
ولا إلى:
أداة استقطاب سياسي،
بل يجب أن يكون:
إطارًا جامعًا يحمي وجود الدولة نفسها.
ولهذا فإن المجتمعات المستقرة تضع:
الأمن القومي،
والسيادة،
ووحدة الدولة،
فوق التنافس الحزبي المباشر.
لأن هذه ليست ملفات حكومة مؤقتة…
بل ملفات:
بقاء وطني طويل المدى.
ومن هنا فإن السودان يحتاج إلى:
إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن القومي.
تعريف يرى أن حماية الدولة تبدأ من:
حماية المجتمع،
وحماية الهوية الوطنية،
وحماية الاقتصاد،
وحماية القرار السيادي،
وبناء الإنسان القادر على حمل مشروع الدولة.
ولهذا فإن الأمن القومي الحقيقي لا يقوم فقط على:
منع الخطر…
بل يقوم أيضًا على:
بناء القدرة.
أي قدرة المجتمع والدولة على:
الاستمرار،
والتماسك،
والتطور،
ومواجهة الأزمات دون انهيار.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:
كيف نحمي السودان من التهديدات الخارجية؟
بل:
كيف نبني دولة ومجتمعًا قادرين على الصمود من الداخل؟
لأن الدول التي تتفكك داخليًا…
تصبح حدودها مفتوحة،
وسيادتها هشة،
وقرارها الوطني قابلًا للاختراق.
أما الدول التي تنجح في بناء:
مجتمع قوي،
وهوية مستقرة،
ومؤسسات متماسكة،
ومرجعية وطنية جامعة،
فإن أمنها القومي يصبح أعمق من مجرد:
القوة العسكرية.
ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط:
معركة دفاع…
بل أيضًا:
معركة بناء.
بناء:
الدولة،
والمجتمع،
والهوية،
والوعي،
والمصلحة الوطنية المشتركة.
لأن الأمن القومي في النهاية ليس مجرد:
حماية وطن موجود…
بل القدرة على:
بناء وطن قابل للبقاء والاستمرار.
