المقالات و الاعمدة

ملف الكهرباء في السودان : مجريات الحاضر وتحديات المستقبل : كتب : أبوبكر معتصم محمد

يواجه قطاع الكهرباء في السودان أزمة بنيوية مركبة تشكل العائق الأكبر أمام الاستقرار الاقتصادي والحراك التنموي هذا القطاع الذي يعاني منذ عقود من فجوة واسعة بين الإنتاج والاستهلاك وصل في المرحلة الحالية إلى مستويات حرجة غير مسبوقة تضع البلاد أمام تحديات مصيرية تتطلب حلولاً جذرية لا ترقيعية

• مجريات الحاضر : واقع متأزم وخروج عن الخدمة

يتسم المشهد الحالي لقطاع الكهرباء في السودان بالتدهور الحاد نتيجة لعدة عوامل متداخلة لعل أبرزها يكمن في تدمير البنية التحتية الناتجة عن الحرب التي ادت إلى تدمير مباشر لشبكات النقل والتوزيع وخروج محطات توليد رئيسية عن الخدمة مما حرم ملايين المواطنين من التيار الكهربائي لفترات طويلة و عجز التوليد المائي والحراري حيث تعاني محطات التوليد الحراري من نقص حاد في الوقود (الفيرنس والديزل) وشح قطع الغيار بسبب الصعوبات الاقتصادية في حين يتأثر التوليد المائي بالتذبذب الموسمي لمناسيب النيل والحاجة إلى صيانة التوربينات في السدود الرئيسية مثل سد مروي” و الروصيرص اضافة الى ضعف شبكة التوزيع والربط حيث تعاني الشبكة القومية لنقل الكهرباء من تهالك واضح وفقدان فني كبير أثناء النقل إلى جانب محدودية تغطيتها الجغرافية التي تجعل أكثر من 60% من سكان السودان خارج مظلة الشبكة القومية ويعتمدون على بدائل أو شبكات محلية معزولة.

• تحديات المستقبل: عقبات في طريق التعافي

إن الانتقال بقطاع الكهرباء في السودان من مرحلة إدارة الأزمة إلى الاستدامة يصطدم بجملة من التحديات المعقدة في مقدمتها التمويل والاستثمار حيث يتطلب إعادة إعمار القطاع وتحديثه استثمارات ضخمة بمليارات الدولارات وفي ظل العزلة الاقتصادية النسبية وضعف التصنيف الائتماني وتراكم الديون يواجه السودان صعوبة بالغة في جذب الاستثمارات الأجنبية أو الحصول على قروض تنموية ميسرة و كذلك الهيكلة التشغيلية والتسعير حيث يمثل الدعم الحكومي للكهرباء معضلة اقتصادية فالتسعير الحالي لا يغطي تكلفة الإنتاج الحقيقية مما يمنع الشركات الحكومية من تحقيق فوائض مالية للصيانة والتطوير وفي المقابل فإن رفع الدعم الكامل يثقل كاهل المواطن الذي يعاني أصلاً من ضغوط معيشية خانقة. و الاعتماد الكبير على التوليد المائي يضع القطاع تحت رحمة التغيرات المناخية وفترات الجفاف فضلاً عن التعقيدات الجيوسياسية المرتبطة بإدارة مياه النيل ومعدلات تدفق المياه

• آفاق الحل ومسارات المستقبل

الخروج من نفق أزمة الكهرباء المظلم يتطلب تبني إستراتيجية وطنية شاملة تقوم على المحاور التالية:
* تنويع مصادر الطاقة: يمتلك السودان إمكانات هائلة في مجال الطاقة المتجددة فالسطوع الشمسي العالي طوال العام يتيح التوسع في محطات الطاقة الشمسية بالإضافة إلى طاقة الرياح في المناطق الساحلية والشمالية وهو ما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري المكلف
* إصلاحات تشريعية وجذب القطاع الخاص: تحديث القوانين لفتح الباب أمام المنتجين المستقلين للطاقة (IPPs)، وتقديم حوافز للمستثمرين في مجالات التوليد والنقل
* تفعيل الربط الإقليمي: تعزيز وتوسيع مشروعات الربط الكهربائي القائمة مع دول الجوار (مثل مصر وإثيوبيا) للاستفادة من فائض الطاقة بأسعار تنافسية وتخفيف الضغط على الشبكة المحلية في أوقات الذروة
* إعادة الإعمار والصيانة الإسعافية: إعطاء الأولوية القصوى لإعادة تأهيل المحطات المتضررة خطوط النقل الحيوية فور استقرار الأوضاع الأمنية مع التركيز على تقليل الفاقد الفني في الشبكات
إن ملف الكهرباء في السودان ليس مجرد قضية خدمية بل هو قضية أمن قومي ومحرك أساسي لأي تعاف اقتصادي مرتقب ولن يتحقق الاستقرار السياسي والاجتماعي دون إضاءة عجلات الإنتاج الزراعي والصناعي مما يجعل إصلاح هذا القطاع المحك الحقيقي لأي جهود تنموية قادمة

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى