حوارات حول الأفكار : د. حيدر معتصم مدني : مركز الخرطوم للحوار : قبل أن نتحاور في السياسة علينا أن نتفق على الدولة

(4)
السؤال الذي يسبق الإجابة
لماذا فشلنا في الإجابة..لأننا بدأنا بالسؤال الخطأ؟
ليست كل الإجابات الخاطئة ناتجة عن ضعف في التفكير، فقد تكون الإجابة منطقية في ذاتها، لكنها جاءت ردًا على سؤال وُضع في غير موضعه.
ولهذا فإن بعض أعمق أزمات المجتمعات لا تبدأ حين تعجز عن العثور على الإجابة، وإنما حين تعجز عن إدراك السؤال الذي ينبغي أن تبدأ به.
وهنا، ربما، تكمن واحدة من أكثر مشكلات التجربة السودانية عمقًا.
فمنذ الاستقلال ظل العقل السياسي السوداني يدور، بصورة أو بأخرى، حول سؤالين كبيرين:
من يحكم السودان؟
و:
كيف يُحكم السودان؟
ومن السؤال الأول انفتح الصراع على السلطة.
ومن الثاني انفتح الجدل حول شكل الحكم، والدستور، والفدرالية والمركزية، والمدنية والعسكرية، والديمقراطية والشمولية، وعلاقة الدين بالدولة، وتقسيم السلطة والثروة.
وهي أسئلة مهمة، بل لا تستطيع دولة أن تستغني عنها.
لكن المشكلة لم تكن في مشروعيتها.
المشكلة أنها جاءت قبل سؤال أسبق منها:
ما السودان الذي نريد أن نعيش داخله معًا؟ ومن هم السودانيون الذين يملكون حق تعريفه؟
ذلك هو السؤال الذي ظل مؤجلًا بينما كنا نبحث عن إجابات لأسئلة تأتي بعده
حين تسبق السياسةُ التأسيسَ
لا يمكن أن نسأل: من يحكم؟ قبل أن نعرف ما الذي سيحكمه
ولا يمكن أن نسأل: كيف نحكم؟ قبل أن نتوافق على المجال الوطني الذي ستجري داخله عملية الحكم.
فالسؤال عن الحكم سؤال سياسي
أما السؤال عن الدولة التي سيجري داخلها الحكم فهو سؤال تأسيسي
وحين يتقدم السؤال السياسي على السؤال التأسيسي، تبدأ السياسة في أداء وظيفة ليست وظيفتها
يتقدم الحزب ليعرّف الدولة
وتتقدم الأيديولوجيا لتعرّف الوطن
وتتقدم الحكومة لتحدد هوية المجتمع
وتأتي الأغلبية الانتخابية فتتصور أن انتصارها يمنحها الحق في حسم الأسئلة الوجودية
ثم تأتي الثورة لتدعي شرعية مقابلة
ويأتي الانقلاب ليحاول إنتاج شرعية ثالثة
وتتحول الدولة، شيئًا فشيئًا، من مجال مشترك للتنافس إلى موضوع للصراع
والمشكلة هنا ليست في وجود الاختلاف
إنها في أننا بدأنا الاختلاف قبل أن نؤسس المساحة التي يمكن أن تحتمله
السؤال ليس جملة تنتهي بعلامة استفهام
في التفكير التأسيسي، السؤال ليس مجرد أداة لغوية للحصول على معلومة.
السؤال هو الذي يحدد موضع المشكلة.
وحين نضع المشكلة في الموضع الخطأ، قد نقضي عقودًا في إنتاج إجابات ممتازة لمشكلة أخرى.
إذا سألنا مثلًا:
من يحكم السودان؟
فإن العقل يبدأ تلقائيًا في البحث عن الفاعلين:
العسكريون أم المدنيون؟
هذا الحزب أم ذاك؟
هذه الحركة أم تلك؟
هذه النخبة أم تلك؟
لكن ماذا لو كانت المشكلة الأصلية لا تكمن في هوية الحاكم؟
عندها يصبح تغيير الحاكم، مهما تكرر، دورانًا داخل السؤال نفسه
وإذا سألنا:
كيف يُحكم السودان؟
سننتقل إلى النظم:
رئاسي أم برلماني؟
مركزي أم فدرالي؟
مدني أم عسكري؟
ديمقراطي أم سلطوي؟
لكن ماذا لو كان الخلاف سابقًا لكل ذلك، ومتعلقًا بتعريف المجال الوطني نفسه الذي ستعمل داخله هذه النظم؟
عندها نكون قد انتقلنا من سؤال متأخر إلى إجابات أكثر تفصيلًا، دون أن نقترب من السؤال الأول
من أزمة الإجابة إلى أزمة الإدراك
هنا يصبح مفهوم الإدراك ضروريًا
فالإنسان لا يستطيع أن يفهم مشكلة لم تدخل أصلًا في دائرة إدراكه
وما لا يُدرك لا يتحول إلى سؤال
وما لا يتحول إلى سؤال لا يمكن البحث له عن إجابة
لهذا فإن أولى مشكلات التأسيس ليست دائمًا غياب الحل وإنما غياب المشكلة عن مجال الإدراك بصورتها الصحيحة
وقد يكون هذا ما حدث في السودان بدرجة كبيرة
أدركنا السلطة ولذلك سألنا عمن يحكم
وأدركنا الحكومة، ولذلك سألنا كيف تحكم
وأدركنا الأحزاب والانقلابات والثورات والدساتير والانتخابات
لكننا لم نضع بالقدر نفسه من الوضوح عملية تأسيس الدولة ذاتها في مركز السؤال
فانتقلنا سريعًا من خروج الاستعمار إلى ممارسة السياسة وكأن وجود الدولة الوطنية المكتملة كان حقيقة منجزة لا تحتاج إلى تأسيس مجتمعي سابق
ومن هنا يمكن قراءة كثير من تاريخنا بطريقة مختلفة
ليست المشكلة فقط أننا اختلفنا في الإجابات
بل ربما كانت المعضلة الأسبق أننا لم نتفق حتى على السؤال الذي ينبغي أن تسبقه كل الإجابات
من الإدراك إلى القدرة
لكن إدراك السؤال ليس نهاية الطريق.
إنه بدايته
فحين يدرك المجتمع المشكلة يستطيع أن يبدأ في فهم أسبابها
وحين يفهمها يستطيع أن يكوّن واعيًا بطبيعتها وعلاقاتها ونتائجها
وحين يتشكل هذا الوعي يصبح قادرًا على إنتاج البدائل واختبارها وتحويلها إلى فعل
وهكذا يمكن النظر إلى مسار التأسيس بوصفه انتقالًا من:
الإدراك الفهم الوعي القدرة
الإدراك يقول:
لدينا مشكلة تأسيس
والفهم يسأل:
كيف نشأت؟ ولماذا استمرت؟
والوعي يدرك:
ما علاقتها بالصراع على السلطة والهوية والشرعية والأيديولوجيا؟
أما القدرة فتسأل:
كيف نستعيد حق المجتمع في معالجة المشكلة وبناء البديل؟
وهنا يصبح إنتاج السؤال نفسه فعلًا من أفعال استعادة المجتمع لدوره
فالمجتمع الذي يتلقى أسئلة النخب يظل أسيرًا للإجابات التي تعرضها عليه النخب.
أما المجتمع الذي يستعيد حقه في إنتاج السؤال فقد بدأ يستعيد حقه في إنتاج الدولة
السؤال الثالث
لذلك نحتاج إلى إعادة ترتيب الأسئلة السودانية
ليس المطلوب إلغاء السؤالين القديمين، وإنما وضعهما في مكانهما الصحيح
فالسؤال:
من يحكم السودان؟
سيظل ضروريًا، لكن مكانه هو السياسة والانتخابات والتداول على السلطة
والسؤال:
كيف يُحكم السودان؟
سيظل ضروريًا، لكن مكانه يأتي بعد تحديد المرجعية التأسيسية للدولة.
أما السؤال الذي ينبغي أن يسبقهما فهو:
ما السودان؟ ومن هم السودانيون؟ وعلى أي أساس يريدون أن يعيشوا معًا داخل دولة واحدة؟
هنا يتغير مركز التفكير كله
ننتقل من الحاكم إلى الوطن
ومن السلطة إلى المجتمع
ومن الحكومة إلى الدولة
ومن البرنامج السياسي إلى العقد الاجتماعي
ومن البحث عن المنتصر إلى البحث عن المشترك
من يملك السؤال؟
لكن السؤال الثالث يفتح سؤالًا أخطر:
من يملك حق الإجابة عنه؟
هل يملكه الحزب الذي يفوز في الانتخابات؟
هل تملكه الثورة التي تسقط النظام؟
هل يملكه الجيش لأنه يحمل السلاح ويحمي الحدود؟
هل تملكه النخبة لأنها أكثر تعليمًا؟
هل تملكه الأيديولوجيا لأنها تعتقد أنها تحمل الحقيقة؟
إذا منحنا أي طرف من هؤلاء حق تعريف السودان منفردًا فقد عدنا إلى السؤال القديم من باب آخر
لأن السؤال التأسيسي لا يتعلق ببرنامج حكم، وإنما بشروط وجود مجتمع سياسي كامل
ولذلك فإن صاحبه لا يمكن أن يكون جزءًا من المجتمع نيابة عن المجتمع كله
صاحب السؤال هو المجتمع نفسه
والأحزاب جزء منه
والجيش مؤسسة من مؤسسات دولته
والحكومة أداة لإدارة شؤونه
والنخب جزء من طاقته المعرفية.
لكن لا أحد من هؤلاء يساوي المجتمع، ولا يستطيع أن يحل محله في حقه التأسيسي
الحوار يبدأ قبل الكلام
وهنا نصل إلى معنى أعمق لفكرة الحوار الذي يسبق الدولة
فالحوار لا يبدأ عندما يجلس الناس حول طاولة
إنه يبدأ قبل ذلك بكثير
يبدأ عندما يدرك المجتمع ما الذي ينبغي أن يتحاور حوله أصلًا
لأن طاولة الحوار التي تجيب عن السؤال الخطأ، مهما كان تمثيلها واسعًا ومهما طالت جلساتها، قد تنتج اتفاقًا دون أن تنتج تأسيسًا
وقد تنتج حكومة دون أن تنتج دولة
وقد توزع السلطة دون أن تحسم ملكيتها
وقد تكتب دستورًا دون أن يوجد العقد الاجتماعي الذي يمنحه معناه
ولهذا فإن أول خطوة في الحوار الذي يسبق الدولة ليست الإجابة
إنها استعادة السؤال
حين يستعيد المجتمع حقه في السؤال
ربما يكون التحول الأكبر الذي يحتاجه السودان ليس أن نقدم للسودانيين إجابة جديدة
فقد امتلأ تاريخنا بالإجابات
كل أيديولوجيا قدمت إجابة
وكل حزب قدم إجابة
وكل ثورة قدمت إجابة
وكل انقلاب ادعى أنه يملك إجابة
وكل مرحلة انتقالية جاءت بإجابة جديدة
لكن الإجابات ظلت تتغير، بينما بقيت المشكلة
لذلك قد يكون المطلوب هذه المرة شيئًا مختلفًا:
أن نتوقف عن التسابق لتقديم الإجابات، وأن نستعيد أولًا حق المجتمع في صياغة السؤال
فالسؤال الصحيح لا يمنحنا الحل مباشرة، لكنه يضعنا على الطريق الذي يمكن أن يقود إليه
وعندما يصبح السؤال:
كيف يؤسس السودانيون دولتهم التي يستطيعون أن يختلفوا داخلها دون أن يختلفوا عليها؟
نكون قد انتقلنا من سؤال السلطة إلى سؤال الدولة
ومن سؤال النخبة إلى سؤال المجتمع.
ومن البحث عن الغلبة إلى البحث عن التوافق
ومن السياسة السابقة لأوانها إلى التأسيس الذي يجعل السياسة ممكنة
وعند تلك النقطة فقط يصبح للحوار معنى مختلف
فالحوار الذي يسبق الدولة لا يبدأ بمحاولة العثور على الإجابة
إنه يبدأ بالعثور على السؤال الذي يستحق أن تجتمع حوله أمة

