المقالات و الاعمدة

الطوفان الاقتصادي : حكومة قادرة على إدارة الأزمة ​هل يعي القائمون على أمر الدولة الدرس ويتحقق الأمل المنتظر أم يكون الطوفان؟

أمام مرآة الواقع الراهن يقف السودان اليوم على مفترق طرق خطير حيث تتقاذف أمواج الازمة الاقتصادية الحادة مفاصل البلاد ملقية بظلالها المظلمة على كاهل المواطن الغلبان الذي أثقلته جراح الحرب والنزوح وقهرته رحلة الفقد والعودة الشاقة هذا المواطن الذي ضرب أروع أمثلة التضحية والصمود وقدم الغالي والنفيس سندا وعضدا لقواته المسلحة في ملحمة الدفاع عن الوطن فالمواطن يواجه اليوم استحقاقاً وجوديا يختزل في تساؤل مؤلم ومرير : أهل السودان هل يستحقون حقاً كل هذا العناء والشقاء؟
إن بناء أي مسار علاجي صحيح يبدأ بتسمية الأشياء بمسمياتها دون مواربة وحين نتأمل مفاصل الانهيار الاقتصادي الراهن، نجد أنفسنا أمام ثنائية معقدة تتداخل فيها الاختلالات البنيوية مع فوضى الأسواق. فعلى صعيد عقم الهياكل المؤسسية أخفقت النظم البيروقراطية والتقليدية للدولة في إدراك مهامها الحقيقية ودورها في الرعاية والتنمية حيال المواطن في أوقات الأزمات الكبرى حيث غابت الرؤية الاستراتيجية وترهل الجهاز الإداري وغابت العدالة في توزيع الموارد، لتتحول الدولة من مظلة حماية إلى عبء إضافي. وفي المقابل، نشطت شبكات طفيلية وسماسرة لا يرحمون استغلوا الفوضى وغياب الرقابة لتجفيف سيولة الأسواق والمضاربة بقوت الشعب محولين مأساة النازحين والعائدين إلى مجرد فرص للثراء السريع على حساب الدم والدموع
ورغم هذه القتامة فإن السودان ليس دولة فقيرة الموارد بل هو رقعة جغرافية زاخرة بالثروات الطبيعية البكر التي تقف شاهدة على عجز الإدارة. ومن قلب حطام الأزمات يبرز معنى اقتصادي حاسم يتمثل في أن منتجا استراتيجيا واحداً فقط متى ما أُحسن استغلاله وتنظيم إدارته وحمايته من قنوات التهريب كفيل بإحداث نقلة إيجابية تعيد التوازن للاقتصاد الكلي وسواء كان هذا المنتج المحوري هو الذهب بثرواته المهدرة في المسالك المظلمة أو المحاصيل النقدية الكبرى مثل الصمغ العربي والسمسم والقطن فإن تفعيل منظومة إنتاج وتسويق صارمة لهذا المنتج وحده يمثل طوق النجاة ومصرف العملات الأجنبية الأقوى لتثبيت سعر الصرف وضخ السيولة اللازمة في شرايين الاقتصاد المعطل
ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه لم يعد هناك متسع لأنصاف الحلول أو إدارة الأزمات بالقطعة بل تحتاج البلاد اليوم إلى إرساء دعائم حكومة من الكفاءات الوطنية التي تتبنى حزمة إصلاحية شاملة ومترابطة تبدأ هذه المسيرة باتخاذ إجراءات جريئة لضبط السياسة النقدية والمالية لامتصاص الكتلة النقدية غير المبررة وكبح جماح التضخم وإعادة الثقة في القطاع المصرفي ويتزامن ذلك مع فرض قبضة قانونية صارمة وحاسمة على شبكات سماسرة السوق والمضاربين بالعملة لحماية الأسواق جنباً إلى جنب مع الاستغلال الأمثل للأصول السيادية عبر تأسيس شركات وطنية كبرى لإدارة المنتج الاستراتيجي المحوري بشفافية مطلقة لتكون الحصان الرابح في جلب النقد الأجنبي ولا تنفصل هذه الجهود عن ضرورة تحويل سياسات الدولة من الإغاثة المؤقتة إلى التمكين الإنتاجي عبر توفير المدخلات الأساسية لمن استطاع العودة إلى دياره ليقود بنفسه عجلة التعافي والإنتاج.
إن تجاهل الأزمة الاقتصادية الراهنة لم يعد مجرد فشل إداري بل هو انتحار جماعي يهدد بتقويض كل تضحيات الشعب والجيش مما يفرض على أصحاب القرار الاستجابة العاجلة لنداء تكوين حكومة من الخبراء اصحاب العقول و الادمغة القادرة على إحداث النقلة الادارية الاقتصادية النوعية و اعادة الامور الى نصابها هذا او الطوفان

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى