المقالات و الاعمدة

حوارات حول الأفكار(260) : د.حيدر معتصم مدني : مركز الخرطوم للحوار : قبل أن نتحاورفي السياسة علينا أن نتفق على الدولة

(2)

عندما يستعيد المجتمع مقعده على طاولة التأسيس من الحوار السياسي إلى الحوار المجتمعي
إذا كان الحوار السياسي يفترض وجود دولة يجري الاختلاف داخلها، فمن الذي يتحاور عندما تكون المشكلة هي تأسيس الدولة نفسها؟
الإجابة التي ظل العقل السياسي السوداني يتجاوزها طويلًا هي:
المجتمع.
ولعل أحد أعمق أسباب تعثر بناء الدولة السودانية هو أن المجتمع ظل حاضرًا بوصفه جمهورًا للسياسة، وغائبًا بوصفه صاحب الحق الأصيل في التأسيس.
يُطلب منه أن يصوت.
ويُطلب منه أن يثور.
ويُطلب منه أن يتظاهر.
ويُطلب منه أن يقاتل أحيانًا.
ويُطلب منه أن يؤيد هذا الطرف أو ذاك.
ولكن نادرًا ما يُسأل بوصفه صاحب الدولة:
على ماذا تريد أن تؤسس حياتك المشتركة مع بقية السودانيين؟
هنا ينبغي التمييز بين الشعب بوصفه كتلة بشرية، والمجتمع بوصفه بنية واعية ومنظمة وقادرة على التعبير عن مصالحها وإنتاج توافقاتها وحراسة ما تتوافق عليه.
فلا يكفي وجود ملايين البشر لكي يوجد مجتمع قادر على صناعة الدولة.
المجتمع يحتاج إلى مؤسسات وقيم وذاكرة ومصالح مشتركة ومساحات حوار وآليات لإدارة الاختلاف، والأهم من ذلك كله يحتاج إلى إدراك موقعه في معادلة الدولة.
والمجتمع الذي لا يدرك أنه صاحب الحق في التأسيس يترك هذا الحق لمن يتقدم لاحتلاله.
وهنا تتقدم النخب السياسية.
فتتحول الأحزاب من أدوات للتنافس داخل الدولة إلى أطراف تتصارع على تعريفها.
وتتحول الأيديولوجيا من قيمة تقدم تصورًا سياسيًا إلى مرجعية تحاول إعادة تعريف الوطن.
وتتحول الانتخابات من وسيلة لاختيار الحكومة إلى ادعاء بامتلاك الدولة.
وتتحول الثورة من أداة للتغيير إلى مصدر مزعوم لاحتكار الشرعية.
وتتحول القوة العسكرية من وظيفة داخل الدولة إلى طريق محتمل لإعادة تعريفها.
وتبدأ دورة لا تنتهي من التهديد الوجودي المتبادل.
فكل طرف لا يرى خسارته مجرد خسارة سياسية قابلة للتعويض في الانتخابات التالية، وإنما يخشى أن تعني انتصار خصمه إعادة تشكيل الدولة بما يهدد وجوده وهويته ومصالحه.
عندها يتحول الاختلاف إلى خلاف.
ويتحول التنافس إلى صراع.
ويتحول الخصم السياسي إلى تهديد وجودي.
وهنا تفقد السياسة معناها.
ولذلك فإن الحوار الذي يسبق الدولة ليس مؤتمرًا سياسيًا موسعًا نضيف إليه ممثلين من المجتمع المدني ثم نستمر في ممارسة المنهج القديم نفسه.
إنه انتقال في ملكية السؤال.
فالسؤال التأسيسي لا ينبغي أن يكون:
ماذا تريد الأحزاب من السودان؟
بل:
ماذا يريد السودانيون أن يكون السودان؟
وهذا التحول يغير وظيفة الأحزاب نفسها.
فالأحزاب ليست مستبعدة من الحوار، لكنها لا تدخله بوصفها مالكة لحق تعريف الوطن، وإنما باعتبارها جزءًا من مجتمع أوسع.
وكذلك القبيلة.
والطرق الصوفية.
والإدارات الأهلية.
والنقابات.
والجامعات.
والمرأة.
والشباب.
والقطاع الاقتصادي.
والمثقفون.
والجاليات.
والمؤسسات المهنية والمدنية.
كل هذه ليست ديكورات تضاف إلى مؤتمر سياسي؛ إنها أجزاء من المجتمع صاحب الحق التأسيسي.
وعندما ينتقل الحوار من النخب إلى المجتمع يتغير موضوعه كذلك.
لا يكون الهدف إنتاج حكومة انتقالية جديدة، ولا توزيع المقاعد، ولا تحديد نسب المشاركة في السلطة.
بل اكتشاف المساحة التي يستطيع السودانيون أن يقولوا داخلها:
هذا وطننا جميعًا، وهذه هي الثوابت التي لا يملك أي حزب أو حكومة أو أيديولوجيا تغييرها منفردة.
هنا تظهر وظيفة العقد الاجتماعي.
فالعقد الاجتماعي ليس اتفاقًا بين الأحزاب على كيفية اقتسام السلطة.
إنه توافق المجتمع على شروط العيش المشترك وتأسيس الوطن.
ومن داخله تُحسم المسائل الوجودية الكبرى: معنى المواطنة، والحقوق الأساسية، والهوية الوطنية الجامعة، ومصدر الشرعية، وحدود السلطة، وعلاقة المجتمع بالدولة، وقواعد إدارة التنوع، والمساحة التي تتحرك داخلها الأيديولوجيات دون أن يتحول اختلافها إلى صراع على وجود الوطن نفسه.
وحين تتحقق هذه النقلة، لا تختفي الأيديولوجيات ولا الأحزاب ولا الخلافات.
بل يحدث شيء أكثر نضجًا:
تُوطَّن الأيديولوجيا داخل الوطن بدل أن يُؤدلَج الوطن داخل الأيديولوجيا.
وهنا فقط يصبح الاختلاف ثروة سياسية لا تهديدًا وجوديًا.
لأن الجميع يقفون على أرضية وطنية سابقة لا يملك أحد منهم حق اقتلاعها.
وهذا هو المعنى الحقيقي للحوار الذي يسبق الدولة:
ليس البحث عمن ينتصر في تعريف السودان، وإنما البحث عن المساحة التي لا يحتاج فيها سوداني إلى هزيمة سوداني آخر لكي يشعر أنه موجود داخل وطنه.

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى