المقالات و الاعمدة

حوارات حول الأفكار.(259) : د. حيدر معتصم مدني : مركز الخرطوم للحوار : قبل أن نتحاور في السياسة علينا أن نتفق على الدولة

(1 )
لماذا يفشل الحوار السوداني في إنتاج الاستقرار؟
ليست كل طاولة يجلس حولها السياسيون طاولة حوار، وليست كل تسوية بين القوى المتصارعة خطوة في طريق بناء الدولة. فقد يكون الحوار نفسه جزءًا من المشكلة حين يبدأ من السؤال الخطأ، وبين الأطراف الخطأ، وفي المرحلة الخطأ.
منذ الاستقلال ظل السودان يدخل حوارًا بعد آخر، واتفاقًا بعد آخر، وتسوية بعد أخرى، ثم يعود في كل مرة إلى نقطة الصراع ذاتها. تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتسقط الأنظمة، وتقوم الثورات والانقلابات، ولكن السؤال الأعمق يبقى دون إجابة:
على أي دولة نتنافس؟
هذه ليست أزمة حوار سياسي بقدر ما هي مشكلة تأسيس سابقة للسياسة نفسها.
فالسياسة، في معناها الطبيعي، نشاط يجري داخل دولة متفق على وجودها ومرجعيتها وحدود شرعيتها. تختلف الأحزاب بعد ذلك حول الاقتصاد والتعليم والصحة والتنمية والسياسة الخارجية وكيفية إدارة الموارد، ويختار المجتمع بينها عبر الآليات التي ارتضاها.
أما عندما يصبح موضوع الاختلاف هو تعريف الدولة نفسها، وهويتها ومرجعيتها ومصدر شرعيتها ومن يملك حق تعريف الوطن، فإن ما يجري لم يعد اختلافًا سياسيًا داخل الدولة، وإنما خلاف على الدولة ذاتها.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الكبرى في التجربة السودانية.
لقد حاولنا إدارة خلاف تأسيسي بأدوات صممت لإدارة اختلاف سياسي. ووضعنا قضايا سابقة للدولة على موائد الأحزاب، ثم سمينا النتائج اتفاقات وطنية أو مؤتمرات دستورية أو تسويات سياسية.
لكن الدولة لا يمكن أن تكون غنيمة لمن ينتصر في الانتخابات، كما لا يمكن أن تكون غنيمة لمن ينتصر في الثورة أو الانقلاب أو الحرب.
لأن الانتخابات تمنح تفويضًا لإدارة الدولة، ولا تمنح تفويضًا لتعريف الدولة.
والثورة قد تسقط حكومة أو نظامًا، لكنها لا تمنح أصحابها ملكية الوطن.
والانقلاب يستطيع الاستيلاء على السلطة، لكنه لا يستطيع إنشاء الشرعية التأسيسية.
والحرب قد تغير موازين القوة، لكنها لا تنتج وحدها عقدًا اجتماعيًا.
هناك إذن مستوى من الشرعية أسبق من الشرعية الانتخابية والثورية والانقلابية، بل أسبق من السلطة السياسية كلها:
شرعية المجتمع في تأسيس دولته.
ومن هنا يجب إعادة تعريف الحوار السوداني.
فالسؤال الأول ليس:
من يحكم السودان؟
ولا حتى:
كيف يُحكم السودان؟
وإنما يسبقهما سؤال أكثر جذرية:
ما السودان الذي نريد أن نعيش جميعًا داخله؟ ومن هم السودانيون الذين يملكون حق الإجابة عن هذا السؤال؟
وحين ندرك ذلك، يتغير ترتيب العملية الوطنية بأكملها.
لا تبدأ بالسلطة ثم تبحث عن الدولة.
ولا تبدأ بالحكومة ثم تبحث عن الدستور.
ولا تبدأ بالدستور ثم تبحث داخله عن هوية المجتمع.
بل تبدأ من المجتمع نفسه.
مجتمع ← عقد اجتماعي ← دستور ← قانون ← دولة ← سلطة ← حكومة.
هذا الترتيب ليس مجرد ترتيب إجرائي، وإنما انقلاب في مفهوم السياسة والدولة والشرعية.
فالدولة لا ينبغي أن تصنع المجتمع على صورتها؛ المجتمع هو الذي يؤسس الدولة على قاعدة توافقه.
والدستور لا ينبغي أن يخترع العقد الاجتماعي؛ بل يجسد ذلك العقد في بنية قانونية ومؤسسية.
والحكومة لا تملك الدولة؛ بل تدير بعض وظائفها لفترة محددة.
وهكذا يصبح السؤال السوداني الحقيقي ليس: لماذا فشلت حواراتنا؟
بل:
لماذا كنا نطلب من الحوار السياسي أن يؤدي وظيفة لا يملكها أصلًا؟
لقد كنا نحاول حل مشكلة تأسيسية في ملعب سياسي.
وحين يوضع السؤال في ملعبه الصحيح، يظهر أمامنا نوع آخر من الحوار.
ليس الحوار بين الحكومة والمعارضة.
ولا بين اليمين واليسار.
ولا بين الإسلاميين والعلمانيين.
ولا بين المركز والهامش.
ولا بين المدنيين والعسكريين.
إنه حوار أسبق من كل هذه الثنائيات:
حوار المجتمع مع نفسه حول الدولة التي يريد تأسيسها.
وهذا هو الحوار الذي يسبق الدولة.

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى