حوارات حول الأفكار : د. حيدر معتصم مدني : مركز الخرطوم للحوار : تنويه نظراً لاهمية تصريحات سعادتو ياسر العطا نفسح المجال لهذا المقال حول التصريحات ثم نواصل السلسلة غداً بإذن الله تعالى

حوارات حول الأفكار : د. حيدر معتصم مدني : مركز الخرطوم للحوار : تنويه نظراً لاهمية تصريحات سعادتو ياسر العطا نفسح المجال لهذا المقال حول التصريحات ثم نواصل السلسلة غداً بإذن الله تعالى
العنوان :
تصريحات ياسر العطا وما بعد الحرب
هل تؤسس القوة الدولة أم تخضع للدولة؟ ليست أخطر الأسئلة في لحظات ما بعد الحروب هي: من انتصر؟ بل: ماذا يمنح الانتصار للمنتصر؟
هل يمنحه القدرة على حماية الدولة، أم يمنحه الحق في تعريفها؟
هل تمنح القوة صاحبها قدرة أكبر على التأثير في القرار، أم تتحول هذه القدرة، بمرور الوقت، إلى مصدر للشرعية وحق في تحديد شكل الدولة ونظام الحكم وحدود السلطات وموقع الآخرين داخلها؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل تصريحات الفريق أول ياسر العطا بشأن موقع القوات المسلحة في مرحلة ما بعد الحرب، وما طرحه من تصور يكون فيه القائد العام للقوات المسلحة رأسًا للدولة لعدة دورات انتخابية، أبعد من أن تكون مجرد تصريحات سياسية عابرة.
فالمهم هنا ليس ياسر العطا كشخص، ولا الاتفاق معه أو الاختلاف حول رؤيته.
الأهم أن هذه التصريحات تضع أمام السودانيين واحدًا من الأسئلة التي ظلت كامنة خلف أزمات دولتهم منذ الاستقلال:
ما العلاقة بين من يملك القوة ومن يملك حق تأسيس الدولة؟
وهذا سؤال لا يتعلق بالجيش وحده.
إنه يتعلق بالجيش، والأحزاب، والحركات المسلحة، وقوى الثورة، والحكومات، وكل من امتلك في لحظة من لحظات التاريخ قدرة على التأثير في الدولة ثم انتقل، بوعي أو بغير وعي، من امتلاك القدرة إلى ادعاء امتلاك الحق في تعريف الدولة نفسها.
*القوة ليست هي السيادة*
من حق المؤسسة العسكرية أن تكون لها رؤيتها لمستقبل السودان.
ومن حق الأحزاب والقوى السياسية أن تقدم رؤاها.
ومن حق المؤسسات المجتمعية والأهلية والمهنية والفكرية وسائر مكونات المجتمع أن تفعل الشيء نفسه.
لكن امتلاك الرؤية شيء، وامتلاك الحق في تحويلها منفردًا إلى شكل للدولة شيء آخر.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيرًا ما اختلطت في التجربة السودانية:
القوة، والسلطة، والسيادة.
القوة هي القدرة على الفعل والإلزام والإكراه.
والسلطة هي صلاحية ممارسة وظائف محددة داخل الدولة.
أما السيادة فهي المرجعية العليا التي تستمد منها السلطات شرعيتها وتُحدد بها حدودها.
ولهذا فإن امتلاك السلاح لا يعني امتلاك السيادة، تمامًا كما أن الفوز في الانتخابات لا يعني امتلاك الدولة.
وقيادة الثورة لا تمنح أصحابها حق تعريف الوطن، مثلما لا يمنح الانتصار في الحرب المنتصرين حق إعادة صياغة الدولة منفردين.
المشكلة في جميع هذه الحالات واحدة:
تحويل القدرة على التأثير في السلطة إلى حق في تعريف الدولة.
*ليس الصراع «مدنيًا عسكريًا»*
وهنا نحتاج إلى ضبط أحد أكثر المصطلحات تداولًا في الخطاب السوداني.
كثيرًا ما يوصف الصراع على السلطة في السودان بأنه صراع بين «العسكريين والمدنيين».
لكن هذه الثنائية، على شيوعها، تخفي أكثر مما تكشف.
فالأحزاب والتحالفات السياسية مؤسسات مدنية من حيث طبيعتها غير العسكرية، نعم؛ لكنها مؤسسات سياسية من حيث وظيفتها.
وهذا التمييز بالغ الأهمية.
لأن وصف القوى السياسية كلها بـ«القوى المدنية» يؤدي، من حيث الأثر المفاهيمي، إلى اختزال المجال المدني الواسع فيها.
فتتحول بالتدريج:
القوى السياسية إلى القوى المدنية، والمدنية إلى المدنيين، والمدنيون إلى المجتمع.
وعندها يبدو الصراع السياسي–العسكري على السلطة كما لو أنه صراع بين الجيش والمجتمع.
بينما المجتمع أوسع من الحزب، وأوسع من التحالف السياسي، وأوسع من جميع القوى المتنافسة على السلطة مجتمعة.
فالنقابة مؤسسة مدنية ذات وظيفة مهنية.
والجامعة مؤسسة مدنية ذات وظيفة معرفية.
والجمعية مؤسسة مدنية ذات وظيفة اجتماعية.
والمنظمة الأهلية مؤسسة مدنية ذات وظيفة مجتمعية.
والمؤسسة الإعلامية مدنية ذات وظيفة إعلامية.
والحزب مؤسسة مدنية أيضًا، ولكن وظيفته سياسية.
فلماذا يحتكر السياسي وحده صفة «المدني»؟
بصرف النظر عن قصد مستخدمي المصطلح، فإن أثره المفاهيمي خطير: إنه يمنح السياسي فائضًا من الشرعية المجتمعية، وفي الوقت نفسه يُخرج المجتمع المستقل عن الصراع السياسي من الصورة.
ولذلك، عندما يكون موضوع الحديث هو الصراع على السلطة، فإن الوصف الأدق ليس:
مدني × عسكري
بل:
سياسي × عسكري.
أما المجتمع فليس مجرد أحد طرفي هذا الصراع.
وهنا يبدأ الفرق الذي يقوم عليه مشروع إعادة تأسيس الدولة.
*أين المجتمع إذن؟*
إذا اختصرنا المشهد في:
مدني ↔ عسكري
فأين نضع المجتمع؟
الإجابة الضمنية في الخطاب السياسي السائد هي أن المجتمع موجود داخل «المدني».
لكن هذا الافتراض نفسه يحتاج إلى المراجعة.
فالمجتمع ليس حزبًا سياسيًا موسعًا.
والأحزاب لا تستمد، بمجرد كونها مؤسسات غير عسكرية، حق تمثيل المجال المجتمعي كله.
السياسة وظيفة من وظائف المجتمع، وليست المجتمع نفسه.
ومن هنا يمكن إعادة رسم المشهد:
هناك مجتمع يضم مؤسسات أهلية ومهنية واقتصادية ومعرفية وثقافية وإعلامية وسياسية وغيرها.
وهناك دولة بمؤسساتها ووظائفها المختلفة، ومن بينها المؤسسة العسكرية.
وهناك سلطة وحكومة تمارسان وظائف محددة داخل الدولة.
وعندما يختفي هذا التمييز، يتحول الصراع بين النخب العسكرية والسياسية إلى صراع يُطلب من المجتمع أن يختار فيه من يمثله، بدل أن يكون المجتمع نفسه هو المرجعية التي تحدد وظيفة الاثنين.
وهنا تكمن واحدة من أعمق مشكلات التجربة السودانية.
ليست المشكلة: من يحكم، العسكري أم السياسي؟
منذ الاستقلال، تعاقبت على السودان حكومات عسكرية وحكومات قادتها قوى سياسية غير عسكرية.
وسقطت أنظمة.
وقامت ثورات.
وأجريت انتخابات.
ووقعت انقلابات.
ثم عادت الانتخابات، ثم الانقلابات، ثم الثورات.
وظل السؤال السوداني يعاد إنتاجه في كل مرة:
من يحكم؟
العسكري أم المدني؟
*لكن ماذا لو كان السؤال* *نفسه يأتي متأخرًا؟*
ماذا لو كانت المشكلة الأسبق هي أننا نحاول تحديد من يحكم دولة لم يكتمل أصلًا الاتفاق المجتمعي على تأسيسها؟
هنا يصبح التاريخ السوداني قابلًا لقراءة مختلفة.
فبدل أن يكون مجرد تاريخ لتبادل الحكم بين «العسكري والمدني»، يمكن أن نقرأ جانبًا كبيرًا منه بوصفه تنازعًا متكررًا بين النخبة العسكرية والنخبة السياسية على سلطة دولة ظل المجتمع غائبًا عن تأسيسها.
وفي كل مرة يُستدعى المجتمع لمنح أحد الطرفين شرعية التغلب على الآخر.
مرة باسم الثورة.
ومرة باسم الانتخابات.
ومرة باسم الأمن.
ومرة باسم الاستقرار.
ومرة باسم حماية الديمقراطية.
لكن السؤال الذي ظل مؤجلًا هو:
متى يصبح المجتمع نفسه صاحب العملية التي تحدد الدولة التي يتنافس الجميع داخلها؟
*تصريحات العطا: من الرؤية* *إلى الحق في التقرير*
من هذه الزاوية ينبغي قراءة تصريحات ياسر العطا.
ليس الإشكال في أن يكون لقائد عسكري تصور لمستقبل البلاد.
فالمؤسسة العسكرية مؤسسة وطنية كبرى، ومن الطبيعي أن تكون لديها رؤية للأمن القومي ومستقبل الدولة.
لكن هناك فرقًا بين أن تقترح المؤسسة العسكرية رؤية وبين أن يصبح موقعها في ميزان القوة مصدرًا لحقها في تقرير شكل الدولة.
فإذا كان التصور المطروح يقوم على بقاء القائد العام للقوات المسلحة رأسًا للدولة لثلاث أو أربع دورات انتخابية، فإن السؤال التأسيسي لا ينبغي أن يبدأ من:
هل هذا النظام مناسب أم غير مناسب؟
ولا من:
هل الأحزاب قوية بما يكفي للحكم؟
ولا حتى من:
هل يحتاج السودان إلى فترة انتقالية طويلة؟
هناك سؤال أسبق:
من يملك الحق في تقرير ذلك؟
هل تحدده المؤسسة العسكرية لأنها القوة الأكثر تنظيمًا؟
هل تحدده الأحزاب لأنها القوى السياسية؟
هل تحدده نتائج الحرب؟
أم أن موقع الجيش والحزب والحكومة ورأس الدولة والبرلمان ينبغي أن يكون نتيجة لعملية تأسيسية سابقة تحدد وظيفة الجميع؟
هذه هي المسألة.
*ضعف السياسي لا يؤسس* *لوصاية العسكري*
ضعف الأحزاب السياسية السودانية حقيقة تستحق النقد العميق.
لكن ضعف السياسي لا ينتج حقًا تأسيسيًا للعسكري.
مثلما أن إخفاق المؤسسة العسكرية في إدارة الحكم لا يمنح السياسي حقًا في إعادة تعريف وظيفة الجيش وفق مصالحه الحزبية.
فالخطأ واحد في الاتجاهين:
أن تتحول مؤسسة ذات وظيفة محددة داخل الدولة إلى مرجعية للدولة نفسها.
الجيش له وظيفة.
والحزب له وظيفة.
والحكومة لها وظيفة.
والبرلمان له وظيفة.
والقضاء له وظيفة.
والمؤسسات المجتمعية لها وظائفها.
لكن لا واحدة من هذه المؤسسات، منفردة، هي المجتمع ولا هي الدولة.
ولهذا فإن القضية ليست نقل الوصاية من العسكري إلى السياسي.
القضية هي إنهاء الوصاية أصلًا.
لا نريد دولة السياسي في مواجهة دولة العسكري
وهنا يصبح من الضروري مراجعة واحدة من أكثر الثنائيات حضورًا في النقاش السوداني:
الدولة العسكرية مقابل الدولة المدنية.
إذا كان المقصود بالدولة المدنية دولة المؤسسات والقانون التي لا يحكمها الجيش، فهذا معنى مفهوم.
لكن الخطر يبدأ عندما تصبح «الدولة المدنية» في الاستخدام السياسي مرادفًا عمليًا لـ«دولة القوى السياسية».
فالمطلوب ليس إضعاف المؤسسة العسكرية حتى تنتقل ملكية الدولة إلى المؤسسة السياسية.
كما أن المطلوب ليس إضعاف الأحزاب حتى تصبح المؤسسة العسكرية وصية عليها.
المطلوب هو شيء مختلف جذريًا:
إخضاع السياسي والعسكري معًا لدولة أسسها المجتمع.
وهذا هو الانقلاب المفاهيمي الذي نحتاجه.
فالمعادلة ليست:
عسكري أم مدني؟
ولا:
جيش أم أحزاب؟
بل:
من يؤسس الدولة التي تحدد وظيفة الجيش والأحزاب معًا؟
ماذا لو كان المجتمع أضعف الجميع؟
هنا يظهر الاعتراض الواقعي الأكثر جدية.
فالجيش يملك السلاح والتنظيم.
والأحزاب تمتلك تنظيماتها وشبكاتها السياسية.
والحركات المسلحة تمتلك أدوات القوة.
والمال السياسي يمتلك وسائل التأثير.
والقوى الخارجية تمتلك الضغط والمصالح.
بينما خرج المجتمع السوداني من الحرب منهكًا، موزعًا بين النزوح واللجوء والفقر وفقدان الممتلكات ومصادر الرزق.
فكيف نجعل هذا المجتمع صاحب العملية التأسيسية؟
هذا السؤال لا ينفي النظرية.
إنه يكشف الحلقة المفقودة فيها.
وهنا ينبغي أن نميز بين:
الحق التأسيسي للمجتمع
و
القدرة التأسيسية للمجتمع.
المجتمع صاحب الحق في تأسيس دولته.
لكنه قد يكون عاجزًا عن ممارسة هذا الحق.
وهذا العجز لا ينقل الحق إلى الطرف الأكثر قوة.
بل يحدد المهمة التالية:
كيف نحول المجتمع من صاحب حق بلا قدرة إلى صاحب حق يمتلك القدرة على ممارسته؟
ومن هنا يصبح بناء المؤسسات المجتمعية المستقلة، وتنظيم المصالح، وإنتاج المعرفة، وبناء الوعي، والرقابة، والإعلام، والتمثيل المجتمعي الحقيقي، جزءًا من عملية تأسيس الدولة نفسها.
فالبديل عن ضعف المجتمع ليس وصاية الجيش.
وليس وصاية الحزب.
البديل هو بناء قدرة المجتمع.
أخطر ما بعد الحرب: دسترة ميزان القوة
كل حرب تنتج ميزانًا جديدًا للقوة.
هناك من يخرج أقوى.
ومن يخرج أضعف.
ومن يكتسب شرعية.
ومن يفقدها.
وهذا من طبيعة الحرب.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول نتائج الحرب إلى مبادئ تأسيسية لدولة ما بعد الحرب.
فعندما يصبح من امتلك قوة أكبر عند انتهاء الحرب صاحب حق أكبر في تحديد شكل الدولة، نكون قد نقلنا الحرب من الميدان إلى الدستور.
وعندما تتحول مواقع القوى عند توقف القتال إلى مواقع دائمة داخل بنية الدولة، فإن الحرب ربما تكون قد انتهت عسكريًا، لكنها لم تنته تأسيسيًا.
ولهذا فإن أحد أخطر الاحتمالات أمام السودان هو:
دسترة موازين القوة التي أنتجتها الحرب.
فالسلام الحقيقي ليس فقط إسكات البنادق.
السلام الحقيقي هو أن تصبح البندقية نفسها خاضعة لقاعدة لا تملك وضعها منفردة.
من حكم القوة إلى حكم القواعد
يقال إن التحدي هو الانتقال من دولة تحكمها موازين القوة إلى دولة تحكمها القواعد.
وهذا صحيح.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يتلوه مباشرة هو:
من يضع القواعد؟
إذا وضعها الأقوى، أصبحت القواعد ترجمة قانونية للقوة.
وإذا وضعتها الأحزاب منفردة، أصبحت ترجمة للتوازن السياسي.
وإذا وضعها حملة السلاح، أصبحت الدولة اتفاقًا بين القوى المسلحة.
لذلك فإن الانتقال الحقيقي هو:
من مجتمع تحدد القوى المتصارعة دولته، إلى مجتمع يؤسس دولته ثم يضع القواعد التي يخضع لها الجميع.
وهنا يظهر التسلسل الذي يقوم عليه مشروع إعادة تأسيس وبناء الدولة السودانية:
المجتمع → العقد الاجتماعي → الدستور → القانون → الدولة → السلطة → الحكومة.
المجتمع يؤسس.
والعقد يحدد.
والدستور ينظم.
والقانون يلزم.
والدولة تحتكر القوة.
والجيش يحمي.
والسياسة تتنافس.
والحكومة تدير.
والمجتمع يحرس.
الجيش لا يؤسس الدولة… والسياسي لا يملكها
ليس مطلوبًا من المجتمع أن يدير العمليات العسكرية.
وليس مطلوبًا من الجيش أن يكتب العقد الاجتماعي للمجتمع.
وليس مطلوبًا من الحزب أن يعرف هوية الوطن.
وليس مطلوبًا من الحكومة أن تمتلك الدولة.
لكل مؤسسة وظيفتها.
وتبدأ الدولة عندما نعرف أين تبدأ كل وظيفة وأين تنتهي.
المجتمع يؤسس ويحرس.
السياسي يتنافس.
الحكومة تدير.
والجيش يحمي.
ولا يصبح أي طرف من هذه الأطراف مالكًا للدولة بسبب الوظيفة التي يؤديها داخلها.
وهكذا تتحول القوة من مصدر للحق إلى أداة يحكمها الحق.
المجتمع ليس مقعدًا إضافيًا على الطاولة
وهنا نصل إلى فكرة ربما تحتاج هي الأخرى إلى تصحيح.
حين نقول إن المجتمع ينبغي أن «يستعيد مقعده على طاولة التأسيس»، قد توحي العبارة بأن هناك طاولة يملكها السياسي والعسكري ونريد أن نضيف إليها ممثلًا للمجتمع.
لكن المسألة أعمق.
المجتمع ليس طرفًا إضافيًا نبحث له عن مقعد بين القوى المتنافسة.
المجتمع هو صاحب العملية التأسيسية نفسها.
ومن ثم فإن السؤال ليس:
من يملك الطاولة؟
لأن طاولة تأسيس السودان لا ينبغي أن يملكها الجيش ولا الحزب ولا الحركة المسلحة ولا الحكومة.
السؤال هو:
كيف يستعيد المجتمع قدرته على تحديد من يجلس، وبأي صفة، وتحت أي قواعد، ولأي غرض؟
وعندها يتحول الحوار من تفاوض بين أصحاب القوة إلى عملية لتأسيس الدولة.
*ما بعد تصريحات ياسرالعطا*
لهذا فإن أهمية تصريحات الفريق أول ياسر العطا لا تكمن فقط في تأييد التصور الذي طرحه أو رفضه.
قيمتها الفكرية والسياسية الأكبر أنها تضعنا أمام سؤال لا يمكن تأجيله:
هل تؤسس القوة الدولة، أم تخضع القوة للدولة؟
إذا كانت القوة هي التي تؤسس الدولة، فسوف يظل السودان ينتقل من ميزان قوة إلى ميزان آخر:
من انتخابات إلى انقلاب.
ومن انقلاب إلى ثورة.
ومن ثورة إلى مرحلة انتقالية
ومن انتقال إلى صراع
ومن صراع إلى حرب
ومن حرب إلى تسوية تعكس ميزان القوة الجديد.
ثم تبدأ الدورة مرة أخرى
أما إذا استعاد المجتمع حقه وقدرته على تأسيس دولته، وحدد بعقده الاجتماعي ثوابتها، وحول الدستور ذلك العقد إلى مؤسسات، وأخضع القانون الجميع لقواعدها، فإن القوة نفسها ستتغير وظيفتها.
لن تكون القوة وسيلة لامتلاك الدولة
بل ستصبح قوة الدولة نفسها
وعندها لن يكون السؤال:
العسكري أم المدني؟
لأن السياسي مدني من حيث طبيعة مؤسسته، لكنه ليس المجتمع كله.
ولن يكون السؤال:
الجيش أم الأحزاب؟
لأن كليهما يؤدي وظيفة داخل بناء أكبر منه.
بل يصبح السؤال:
كيف نبني دولة أسسها مجتمعها، يتنافس السياسيون داخلها ولا عليها، ويحميها جيش قوي لا يملكها، وتديرها حكومة لا تختزلها، ويحرسها مجتمع يعرف أن السيادة ليست مقعدًا في السلطة، وإنما حقه في أن تظل جميع السلطات خاضعة للعقد الذي أسس به دولته؟
الحرب قد تحسم، في لحظة تاريخية، من يملك القوة
والانتخابات قد تحسم، في لحظة سياسية، من يملك حق تشكيل الحكومة.
لكن لا الحرب ولا الانتخابات تمنحان طرفًا منفردًا حق امتلاك الوطن
وهنا يقع الفارق الذي ينبغي ألا نضيعه مرة أخرى:
الفارق بين إعادة ترتيب السلطة وإعادة تأسيس الدولة

