حوارات حول الأفكار : د.حيدر معتصم مدني : مركز الخرطوم للحوار : قبل أن نتحاور في السياسة علينا أن نتفق على الدولة

(5)
من التهديد الوجودي إلى الأمان الوطني
لماذا يخشى السودانيون انتصار بعضهم على بعض؟
في الدولة المستقرة يخسر الحزب الانتخابات فيستعد للانتخابات التالية
أما في الدولة التي لم يُحسم تأسيسها فقد يخسر طرف الانتخابات فيشعر أنه خسر أكثر من السلطة؛ يشعر أن هويته أو قيمه أو مصالحه أو حتى حقه في الوجود داخل الوطن أصبحت مهددة.
وهنا يقع التحول الأخطر:
يتحول الخصم السياسي من منافس على الحكم إلى تهديد للوجود
وعندما يصل المجتمع إلى هذه النقطة لا تعود الانتخابات وحدها قادرة على إنتاج الاستقرار، ولا تكفي الدعوة إلى الديمقراطية، ولا يصبح تغيير الحكومات حلًا للمشكلة.
لأن المشكلة لم تعد فقط: من يحكم؟
بل أصبحت:
ماذا سيحدث لي إذا حكم الآخر؟
وهذا السؤال ربما يفسر جانبًا عميقًا من التاريخ السياسي السوداني
حين تصبح خسارة السلطة خسارة للوطن
التنافس السياسي الطبيعي يقوم على افتراض سابق:
أن الأطراف المتنافسة متفقة على الدولة التي تتنافس داخلها
قد تختلف حول الاقتصاد
وحول التعليم
وحول السياسة الخارجية
وحول دور الدولة في المجتمع
وقد يكون اختلافها عميقًا للغاية
لكنها تعرف أن انتصار أحدها لا يعني إلغاء الآخرين من الوطن
لأن هناك مساحة أسبق من الانتخابات لا يستطيع المنتصر أن يستولي عليها
هناك دولة ليست ملكًا للحكومة
وهناك وطن ليس ملكًا للأغلبية
وهناك حقوق لا تسقط بخسارة الانتخابات
وهناك هوية وطنية لا يعيد الحزب الفائز تعريفها وفق أيديولوجيته
عندها يستطيع المهزوم أن يقبل الهزيمة لأنه خسر الحكومة ولم يخسر الدولة
أما عندما لا يكون هذا الحد الفاصل واضحًا، فإن الوصول إلى السلطة يكتسب معنى آخر
يصبح الحكم طريقًا محتملًا لإعادة تعريف الدولة
ويصبح الفوز السياسي قدرة على فرض تصور للهوية والوطن والشرعية
وعندها لا يخشى الطرف الآخر خسارة الانتخابات فقط، وإنما يخشى ما قد يأتي بعدها
وهنا يولد التهديد الوجودي
الخوف الذي يسبق الصراع
كثيرًا ما نقرأ الصراعات السياسية من خلال ما يظهر منها:
هذا حزب يريد السلطة
وهذه جماعة تريد إسقاطه
وهذا جيش انقلب على حكومة
وهذه جماهير خرجت في ثورة
لكن القراءة التأسيسية تسأل سؤالًا أسبق:
ما الذي جعل كل طرف يعتقد أن بقاء الطرف الآخر في السلطة يشكل خطرًا لا يستطيع انتظاره حتى تتغير موازين السياسة؟
لا يعني ذلك أن كل انقلاب أو ثورة أو عنف سياسي يصبح مشروعًا أو مبررًا.
فالشرح ليس تبريرًا
لكنه يعني أن معالجة الظاهرة تستوجب فهم البنية التي تنتجها
فعندما يشعر طرف بأن الانتخابات قد تمنح خصمه ليس حق الحكم فحسب، وإنما حق إعادة تعريف الدولة، قد يبدأ في البحث عن شرعية أخرى تقاوم الشرعية الانتخابية
يبحث عن الثورة
أو الانقلاب
أو السلاح
أو الخارج
أو أي مصدر آخر للقوة يستطيع من خلاله منع ما يتصوره تهديدًا لوجوده
وهكذا ندخل في دائرة خطيرة:
كل طرف يخشى الآخر، وكل خوف ينتج أداة للحماية، وكل أداة للحماية تتحول في نظر الآخر إلى تهديد جديد
فتتراكم المخاوف حتى يصبح الصراع قادرًا على إعادة إنتاج نفسه
الانتخابات لا تعالج الخوف الوجودي
هنا تظهر واحدة من أكثر المسائل حساسية
قد تكون الانتخابات حرة ونزيهة ومع ذلك لا تنتج استقرارًا دائمًا
ليس لأن الانتخابات بلا قيمة
بل لأنها صُممت للإجابة عن سؤال:
من يفوضه المجتمع لإدارة الحكم لفترة محددة؟
ولم تُصمم للإجابة عن سؤال:
من يملك الوطن؟
إذا دخلت الأطراف الانتخابات وهي تختلف أصلًا حول الدولة فإن صندوق الاقتراع قد يحسم السلطة دون أن يحسم الخلاف التأسيسي
بل ربما يزيده حدة
لأن الأغلبية قد تتصور أن انتصارها منحها شرعية لإعادة تشكيل الدولة وفق تصورها
بينما ترى الأقلية أن النتيجة لم تعد مجرد هزيمة سياسية، وإنما تهديدًا لوجودها
فتتحول الديمقراطية نفسها من آلية للتداول السلمي إلى محطة جديدة في صراع لم يُحسم أساسه.
المشكلة هنا ليست في الديمقراطية.
بل في تحميلها وظيفة التأسيس قبل أن توجد الدولة التي ستعمل الديمقراطية داخلها.
الثورة والانقلاب والانتخابات
ومن هنا يمكن أن نفهم بصورة أعمق التنافس بين مصادر الشرعية في السودان
الانتخابات تقول:
أنا أملك شرعية الصندوق.
والثورة تقول:
أنا أملك شرعية الشارع
والانقلاب يحاول فرض:
شرعية الأمر الواقع والقوة
وقد تضيف الحرب شرعية النصر
وتضيف الحركات المسلحة شرعية المظلومية
وتضيف بعض النخب شرعية المعرفة أو التاريخ أو التمثيل
لكن المشكلة الأعمق ليست فقط في تنازع هذه الشرعيات
إنها في غياب شرعية تأسيسية سابقة عليها جميعًا تحدد حدود كل واحدة منها
فالانتخابات تستطيع أن تمنح شرعية الحكم، لكنها لا تمنح ملكية الدولة
والثورة تستطيع أن تسقط نظامًا، لكنها لا تمنح الثوار ملكية الوطن
والقوة تستطيع أن تغير موازين السلطة، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج عقد اجتماعي
والنصر العسكري يستطيع أن يحسم معركة لكنه لا يستطيع أن يحسم معنى المواطنة
هناك شرعية أسبق من ذلك كله:
شرعية المجتمع في تأسيس دولته
الأمان الوطني قبل التسامح السياسي
كثيرًا ما يُطلب من القوى المتصارعة أن تقبل بعضها بعضا وأن تتسامح وأن تتنازل وأن تثق في الآخر وكلها قيم مهمة لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة مشكلة بنيوية فإذا كان الطرف الآخر قادرًا، بمجرد وصوله إلى الحكم، على تغيير الأسس التي تحدد وجودي داخل الوطن، فإن مطالبة الناس بالثقة تصبح مطالبة أخلاقية لا تعالج مصدر الخوف الأمان السياسي الحقيقي لا يُبنى على حسن نوايا الحكام بل على نظام تأسيسي يجعل سوء النوايا نفسه محدود القدرة على الإضرار بالآخرين.
وهنا تظهر وظيفة العقد الاجتماعي بصورة مختلفة العقد ليس مجرد وثيقة تحدد ما نتفق عليه إنه أيضًا ضمانة متبادلة للوجود أنا أقبل حقك في الاختلاف لأن وجودي لا يتوقف على هزيمتك وأنت تقبل حقي في الاختلاف لأن وجودك لا يتوقف على هزيمتي ولا يحتاج أي منا إلى امتلاك الدولة حتى يشعر بالأمان داخلها وهذه هي النقلة من التهديد الوجودي إلى الأمان الوطني الدولة التي لا يحتاج أحد إلى امتلاكها
ربما يكون أحد أفضل الاختبارات لمعرفة ما إذا كانت الدولة قد تأسست فعلًا هو سؤال بسيط:
هل يستطيع المواطن أو الجماعة أن يخسر السلطة دون أن يخشى خسارة الوطن؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد بدأنا نقترب من الدولة
أما إذا كان كل طرف يعتقد أن ضمان وجوده يتطلب وجود جماعته في السلطة، فإن الصراع على الحكم سيظل صراعًا على البقاء
وهنا تصبح السلطة غنيمة وجودية
ويصبح الاستحواذ عليها وسيلة حماية
ويصبح إقصاء الآخر إجراءً وقائيًا
ثم يرد الآخر بالمثل
ولا تنتهي الدورة
الدولة الحقيقية في هذا المعنى، ليست الدولة التي ينتصر فيها الجميع
فهذا مستحيل
إنها الدولة التي يستطيع فيها الجميع أن يخسروا سياسيًا دون أن يخسروا وطنيًا
التوافق لا يلغي الاختلاف
وهنا ينبغي ألا نقع في خطأ مقابل
فالحوار الذي يسبق الدولة لا يهدف إلى جعل السودانيين متشابهين
ولا إلى إزالة الأيديولوجيات
ولا إلى إنهاء الخلافات الفكرية والدينية والثقافية والسياسية
ولا إلى صناعة إجماع مصطنع
بل العكس
إنه يريد أن يجعل الاختلاف ممكنًا
فالتوافق التأسيسي لا يعني أن نتفق على كل شيء
إنه يعني أن نتفق على المساحة التي سنختلف داخلها
نتوافق على الوطن حتى نختلف في السياسة
نتوافق على المواطنة حتى نختلف في البرامج
نتوافق على الحقوق حتى نختلف في الأفكار
نتوافق على الدولة حتى نتنافس على الحكومة
وهنا يتحول الاختلاف من تهديد إلى طاقة سياسية
لأن المختلف لم يعد مشروع عدو ينبغي إقصاؤه، بل أصبح منافسًا يمكن أن ينتصر اليوم ويخسر غدًا دون أن تتغير قواعد وجودنا المشترك
من الخلاف على الدولة إلى الاختلاف داخلها
وهنا نصل إلى واحدة من أهم التحولات التي يسعى إليها مشروع إعادة التأسيس
المشكلة السودانية ليست في وجود الاختلاف
فالاختلاف طبيعي، بل ضروري لأي مجتمع حي
المشكلة هي أن جانبًا كبيرًا من اختلافاتنا جرى في فضاء لم تُحسم فيه بعد أسئلة الدولة الأساسية
فتحول الاختلاف إلى خلاف على المرجعية
وتحول التنافس إلى صراع على الدولة
وتحول الانتصار السياسي إلى احتمال للهيمنة
وتحول فقدان السلطة إلى خوف من الإقصاء
والخروج من هذه الحلقة لا يكون بمنع الاختلاف
بل بنقله إلى مكانه الطبيعي:
من الخلاف على الدولة إلى الاختلاف داخل الدولة
وهذا الانتقال لا تصنعه الحكومة
ولا الانتخابات وحدها
ولا الثورة
ولا القوة العسكرية
إنه يبدأ بالحوار الذي يسبق الدولة
الدولة بوصفها مساحة أمان مشترك
حين يجلس السودانيون للحوار التأسيسي، فإن السؤال ليس فقط:
على ماذا نتفق؟
بل ينبغي أن يكون أيضًا:
ما الذي يجب أن نضمنه لبعضنا حتى يصبح اختلافنا آمنًا؟
وهنا يتغير معنى الدولة
لا تعود مجرد أرض وحدود ومؤسسات وسلطة
بل تصبح أيضًا مساحة أمان مشترك
المسلم لا يحتاج إلى امتلاك الدولة لكي يحافظ على دينه
وغير المسلم لا يحتاج إلى إقصاء الدين لكي يضمن مواطنته
والقبيلة لا تحتاج إلى تحويل نفوذها الاجتماعي إلى سيادة موازية لكي تحمي وجودها
والجهة لا تحتاج إلى السيطرة على المركز لكي تحصل على حقوقها
والأيديولوجيا لا تحتاج إلى إعادة تعريف الوطن حتى تمارس السياسة داخله
والحزب لا يحتاج إلى البقاء في الحكم لكي يبقى موجودًا
عندما تتحقق هذه الضمانة، تتغير طبيعة السياسة نفسها
لأن السلطة تفقد وظيفتها بوصفها وسيلة لحماية الوجود، وتستعيد وظيفتها بوصفها أداة مؤقتة لإدارة الشأن العام
حين يصبح انتصار الآخر ممكنًا
ربما يكون الامتحان الأصعب لأي ثقافة ديمقراطية ليس استعداد الإنسان للانتصار
بل قدرته على قبول انتصار الآخر
لكن قبول انتصار الآخر لا يُبنى بالمواعظ وحدها
إنه يصبح ممكنًا عندما أعرف أن انتصارك لن يمنحك حق إلغائي
وأن خسارتي لن تنزع مني وطني
وأن الحكومة التي ستشكلها ليست الدولة
وأن الأغلبية التي حصلت عليها ليست المجتمع كله
وأن الدستور لا تستطيع إعادة كتابته وفق رغبتك وحدك لأن وراءه عقدًا اجتماعيًا أسبق منك ومني
عندها فقط أستطيع أن أقول:
لقد خسرت الانتخابات، لكنني لم أخسر السودان
وهذه الجملة في معناها العميق، ربما تكون أحد أهم مؤشرات اكتمال تأسيس الدولة.
لأن الدولة التي يخشى الناس فقدانها كلما فقدوا السلطة لم تتحول بعد إلى وطن مشترك
الحوار الذي ينزع الخوف من السياسة
لهذا فإن إحدى أهم وظائف الحوار الذي يسبق الدولة ليست فقط إنتاج الاتفاق
إنها إخراج الخوف الوجودي من المجال السياسي
أن نجعل الحزب قادرًا على أن يكون حزبًا، لا مشروع دولة
وأن نجعل الأيديولوجيا قادرة على أن تكون قيمة، لا بديلًا عن الوطن.
وأن نجعل الانتخابات طريقًا إلى الحكومة، لا طريقًا إلى امتلاك الدولة
وأن نجعل الثورة وسيلة لتغيير واقع مختل، لا شهادة ملكية دائمة للشرعية.
وأن نجعل الجيش مؤسسة تحمي الدولة، لا طرفًا يعرّفها.
وأن نجعل المجتمع قادرًا على حماية كل ذلك لأنه هو صاحب الحق التأسيسي الأول
عندها لا نكون قد أنهينا الصراع السياسي
ولا ينبغي لنا أن نفعل
بل نكون قد أنجزنا شيئًا أكثر أهمية:
حوّلنا الصراع على الوجود إلى تنافس على الخيارات
وحين يستطيع السوداني أن يختلف مع السوداني دون أن يتمنى زواله، وأن يخسر أمامه دون أن يخشى فقدان وطنه، وأن يراه حاكمًا دون أن يراه مالكًا للدولة، نكون قد بدأنا الانتقال الحقيقي:
من التهديد الوجودي إلى الأمان الوطني
وهذا، في جوهره، أحد أعظم الأهداف التي ينبغي أن تتحقق

