بين واجب الاستضافة وحقوق القومية حديث نائب والي نهر النيل يسقط في فخ المن السياسي : محطات ذهبية : أبوبكر معتصم محمد

في الوقت الذي تنتظر فيه الجماهير والمؤسسات الوطنية من القيادات التنفيذية رؤى استراتيجية تتجاوز الاستهلاك الإعلامي خرج علينا نائب والي نهر النيل ووزير صحتها مصطفى محمد عثمان الشريف بحديثٍ يحمل في ظاهره الاحتفاء بتأسيس المجمع الطبي لجامعة النيلين بمنطقة حوش بانقا لكنه ينطوي في باطنه على منطقٍ منقوص يعكس أزمة عميقة في ثقافة الخطاب الرسمي لدى الكثير من المسؤولين
• خطوة في الاتجاه الصحيح ولكن!
لا أحد ينكر أن افتتاح مشروعات خدمية وطبية للجامعات القومية في الولايات يعد إنجازاً ملموساً ودورا طليعيا ينبغي أن تضطلع به مؤسسات التعليم العالي لخدمة التنمية والعمران كما أن تخصيص ولاية نهر النيل لقطع أراضٍ لهذه الجامعات يمثل مكسباً متبادلا تتدعم به بنية الولاية التحتية وتتسع عبره مواعين التعليم العالي لخدمة الإنسان السوداني في كل رقعة من أرض الوطن
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في النبرة التي صيغ بها خطاب نائب الوالي حيث بدا وكأنه يقدم منحة أو يمتن على المؤسسات التعليمية بفتح أبواب الولاية لها في أوقات السلم والحرب إن هذا التوصيف يجافي جوهر المفهوم الوطني فالجامعات مثل (الخرطوم النيلين وغيرهما) هي جامعات قومية مملوكة للبلاد بأسرها وتواجدها أو توسعها في أي ولاية سودانية هو حق أصيل ومكفول بقوة المواطنة والقانون وليس فضلا تتفضل به حكومة ولائية أو منة يمن بها مسؤول
• غياب الرؤية وغلبة الشو الإعلامي
كان حرياً بنائب الوالي بدلا من ممارسة وصاية لفظية واستعراض دور الولاية وكأنها تؤدي صنيعا استثنائيا أن يطرح خطة عمل استراتيجية واضحة ومحددة تتضمن تهيئة البيئة الأكاديمية والبحثية بتقديم تسهيلات حقيقية وملموسة تتيح لهذه العقول والكوادر الوطنية الإبداع وتقديم رسالتها السامية في البحث العلمي الممنهج و ربط البحث العلمي بمتطلبات الولاية للاستفادة المباشرة من وجود هذه القامات العلمية لتقديم حلول وأوراق علمية تعالج المشكلات التراكمية لولاية نهر النيل في مجالات الإدارة الصحة الزراعة والتنمية المجتمعية إضافة الى التعامل مع مؤسسات التعليم العالي كشركاء أصليين في صناعة المستقبل وتنشئة الأجيال التي ستخطط لسودان الغد وليس كـضيوف يكتفى باستضافتهم في أوقات الأزمات
• أزمة الخطاب الرسمي
إن لجوء المسؤولين إلى إبراز الواجبات الطبيعية للدولة وكأنها مكارم شخصية أو إنجازات تاريخية تستحق التلميع الإعلامي يعكس حالة من السطحية في التعاطي مع قضايا الحكم والإدارة فالتعليم لا ينتظر والعقول السودانية التي أدارت العملية التعليمية ووفرت مظلة لـ (60) جامعة خلال ظروف الحرب الاستثنائية هي التي تحملت العبء الأكبر وكان الأجدر الاحتفاء بجهدها وتوفير مناخ العمل الصالح لها بدلاً من تحويل الموقف إلى استعراض سياسي
متى يدرك مسؤولونا أن الخطاب العام ليس مجرد كلمات تقال أمام العدسات بل هو انعكاس للفهم العميق لمفاهيم الدولة والقومية؟ إن الوقت قد حان ليتخلى الخطاب الرسمي عن البحث عن الإنجازات الزائفة ويلتفت بدلاً من ذلك إلى العطاء الفعلي والتخطيط الحقيقي الذي يترك أثرا يوثق لرشد الإدارة والمسؤولية الوطنية


