حوارات حول الأفكار(264) : د. حيدر معتصم مدني : مركز الخرطوم للحوار : قبل أن نتحاور في السياسة علينا أن نتفق على الدولة

(6)
• ما قبل السياسة
متى تنتهي أسئلة التأسيس وتبدأ السياسة؟
ربما كان أحد أكبر الأخطاء التي لازمت التجربة السودانية أننا بدأنا ممارسة السياسة قبل أن نحدد المجال الذي ينبغي أن تمارس داخله السياسة.
تنافسنا قبل أن نتوافق.
واختلفنا قبل أن نحدد ما يجوز الاختلاف حوله.
وذهبنا إلى الانتخابات قبل أن نحسم ما الذي تمنحه الانتخابات للفائز، وما الذي لا تستطيع أن تمنحه له.
وكتبنا الدساتير قبل أن يوجد العقد الاجتماعي الذي ينبغي أن تستمد منه الدساتير معناها.
وتصارعنا على السلطة قبل أن نحسم لمن تعود ملكية الدولة أصلًا.
ثم سمينا كل ذلك:
سياسة.
لكن ماذا لو كان جانب كبير مما سميناه صراعًا سياسيًا لم يكن سياسيًا في حقيقته؟
ماذا لو كانت السياسة نفسها قد بدأت في السودان قبل أوانها؟
• السياسة لا تبدأ من الفراغ
السياسة ليست مجرد وجود أحزاب وانتخابات وبرلمانات وحكومات ومعارضة.
هذه كلها أدوات للعمل السياسي، لكنها لا تصنع وحدها المجال السياسي.
فالسياسة الطبيعية تفترض وجود شيء سابق عليها:
دولة متفق على أساس وجودها.
حين توجد هذه الدولة، يستطيع الناس أن يختلفوا حول كيفية إدارتها.
هذا يريد اقتصادًا أكثر انفتاحًا.
وذاك يريد دورًا أكبر للدولة.
هذا يقدم تصورًا للتعليم.
وآخر يقدم تصورًا مختلفًا.
هذا الحزب يفوز.
وذاك يخسر.
تتشكل الحكومة ثم تسقط.
تتغير السياسات.
وتتبدل التحالفات.
لكن الدولة تبقى.
لأن المتغير يتحرك داخل ثابت.
أما إذا أصبح الثابت نفسه موضوعًا للمنافسة، فإن السياسة تفقد ملعبها.
*الوطن هو الملعب*
يمكن تقريب الفكرة بصورة بسيطة:
الوطن هو الملعب، والسياسة هي المباراة.
من الطبيعي أن تتنافس الفرق داخل الملعب.
ومن الطبيعي أن تختلف خططها.
وأن يفوز فريق ويخسر آخر.
لكن لا يستطيع الفريق الذي يفوز بالمباراة أن يقرر بعد انتهائها تغيير حدود الملعب، أو إلغاء قواعد اللعبة، أو إخراج الفريق الآخر منها.
لأن الملعب لا يملكه الفائز.
وكذلك الوطن.
الحزب الذي يفوز في الانتخابات لا يصبح مالكًا للدولة.
والثورة التي تسقط نظامًا لا تصبح مالكة للوطن.
والجيش الذي ينتصر في الحرب لا يصبح مالكًا للمجتمع.
والأيديولوجيا التي تحظى بالأغلبية لا تصبح هي الهوية الوطنية.
لأن كل هؤلاء يتحركون داخل مساحة أسبق منهم جميعًا.
المجتمع هو صاحب الوطن، والدولة هي الإطار الذي يؤسسه المجتمع لتنظيم حياته المشتركة.
وحين لا يكون هذا الترتيب واضحًا، تبدأ المباراة قبل أن يوجد الملعب.
*هناك شيء يسبق السياسة*
وهنا نحتاج إلى إدخال مفهوم قد يبدو للوهلة الأولى غريبًا:
ما قبل السياسة.
والمقصود به ليس مرحلة بلا سياسة بمعنى انعدام التفكير في الشأن العام.
ولا يعني تعليق الأحزاب أو منع الأيديولوجيات أو تجميد الاختلاف.
بل يعني وجود مجال تأسيسي سابق منطقيًا ووظيفيًا على التنافس السياسي.
في هذا المجال لا نسأل:
من يحكم؟
بل نسأل:
ما الذي سيحكمه من يصل إلى الحكم، وما حدود حقه فيه؟
ولا نسأل:
أي حزب ينتصر؟
بل:
ما القواعد التي تجعل انتصار أي حزب آمنًا على بقية المجتمع؟
ولا نسأل:
أي أيديولوجيا يجب أن تسود؟
بل:
ما الوطن الذي تستطيع الأيديولوجيات المختلفة أن تتنافس داخله دون أن تحاول إلغاء بعضها بعضًا؟
هذا هو مجال ما قبل السياسة.
• الثابت والمتغير
لكي نفهم هذا المجال نحتاج إلى التمييز بين مستويين:
الثابت والمتغير.
الثابت ليس معناه أن المجتمع يتوقف عن التطور.
ولا أن كل ما يتوافق عليه جيل يصبح مقدسًا إلى الأبد.
وإنما المقصود وجود قاعدة تأسيسية لا يجوز أن تتغير بمجرد تغير ميزان القوى السياسي.
المواطنة لا ينبغي أن تتغير لأن حزبًا خسر وآخر فاز.
وكرامة الإنسان لا ينبغي أن تصبح خاضعة للأغلبية.
وانتماء المواطن إلى وطنه لا ينبغي أن يتوقف على أيديولوجية الحكومة.
وحق المجتمع في دولته لا ينبغي أن ينتقل إلى الحزب الفائز.
وقواعد التداول السلمي لا ينبغي أن يعيد المنتصر صياغتها لضمان بقائه.
هذه تقع في دائرة التأسيس.
أما البرامج الاقتصادية، وأولويات التنمية، والضرائب، والتعليم، والصحة، والسياسة الخارجية، وكيفية إدارة الموارد والخدمات، فتقع أساسًا في دائرة السياسة.
وهنا يصبح الاختلاف مشروعًا وضروريًا.
فالدولة لا تحتاج إلى أن نتفق على كل شيء.
إنها تحتاج إلى أن نتفق على ما يسمح لنا بأن نختلف في كل ما عداه بأمان.
• الخلاف والاختلاف
ومن هنا يظهر الفرق بين كلمتين كثيرًا ما نستخدمهما وكأنهما مترادفتان:
الخلاف والاختلاف.
الاختلاف يحدث داخل مرجعية مشتركة.
أما الخلاف التأسيسي فيقع حول المرجعية نفسها.
يمكن لحزبين أن يختلفا حول السياسة الاقتصادية بينما يتفقان على الدولة.
لكن إذا كان أحدهما يريد تعريف الدولة على أساس ينفي تصور الآخر لوجوده الوطني، فنحن لم نعد أمام اختلاف سياسي فقط.
لقد انتقلنا إلى خلاف تأسيسي.
ولذلك فإن مشروع بناء الدولة لا يستهدف القضاء على الاختلاف.
بل على العكس:
هدف التأسيس هو تحرير الاختلاف من الخلاف الوجودي.
أن نجعل المختلف منافسًا لا عدوًا.
وأن نجعل خسارة الانتخابات خسارة في السلطة لا خسارة في الوطن.
وأن يصبح تغيير الحكومة حدثًا سياسيًا طبيعيًا لا إعادة تأسيس للدولة في كل مرة.
• الاتفاق والتوافق
والتمييز نفسه مطلوب بين:
الاتفاق والتوافق.
الاتفاق يمكن أن يحدث بين أطراف سياسية حول قضية محددة.
قد تتفق أحزاب على تشكيل حكومة.
أو على فترة انتقالية.
أو على توزيع مناصب.
أو على برنامج مرحلي.
وهذه اتفاقات مشروعة في مجالها.
لكنها لا تستطيع أن تحل محل التوافق التأسيسي.
لأن الاتفاق يدير العلاقة بين الأطراف.
أما التوافق فيؤسس المجال الذي تتحرك داخله الأطراف.
الاتفاق يمكن أن يقول:
كيف نقسم السلطة؟
أما التوافق فيسأل:
لمن تعود السلطة أصلًا؟ وما حدودها؟
الاتفاق يمكن أن ينتج حكومة.
أما التوافق فينتج قاعدة تستطيع الحكومات المختلفة أن تتغير فوقها.
ولهذا فإن الدولة لا تُبنى بمجرد جمع أكبر عدد من الأحزاب حول وثيقة سياسية.
فقد تتفق النخب كلها ويبقى المجتمع خارج عملية التأسيس.
وقد توقع القوى السياسية وثيقة واحدة بينما يبقى السؤال الوجودي بلا إجابة.
*الصراع والتنافس*
ثم تأتي الثنائية الثالثة:
الصراع والتنافس.
التنافس يحتاج إلى شيء مشترك يتنافس الناس داخله.
أما الصراع على الدولة فيحدث عندما تصبح الدولة نفسها هي الجائزة.
في التنافس أريد أن أهزم برنامجك.
في الصراع الوجودي أريد أن أهزم وجودك السياسي.
في التنافس أريد أن أحكم بدلًا منك.
في الصراع على الدولة أريد أن أمتلك القدرة على تعريف الوطن دونك.
ولهذا فإن الانتقال من الصراع إلى التنافس لا يتحقق بمجرد الدعوة إلى التسامح.
إنه يحتاج إلى نقل الدولة نفسها خارج دائرة الغنيمة.
فلا تكون الدولة جائزة الانتخابات.
ولا غنيمة الثورة.
ولا مكافأة النصر العسكري.
ولا تجسيدًا لأيديولوجية المنتصر.
بل تصبح ملكًا للمجتمع كله، يتنافس السياسيون على إدارة جزء من وظائفها لفترة محددة.
*توطين الأيديولوجيا لا* *أدلجة الوطن*
وهنا يظهر أحد أهم آثار الفصل بين التأسيس والسياسة.
الأيديولوجيا في ذاتها ليست المشكلة.
فالإنسان يحتاج إلى الأفكار، والمجتمع يحتاج إلى تعدد الرؤى، والسياسة بلا أفكار تتحول إلى مجرد صراع مصالح.
المشكلة تبدأ عندما تحاول الأيديولوجيا أن تنتقل من كونها قيمة داخل الوطن إلى كونها مرجعية تعيد تعريف الوطن نفسه.
حينها يصبح الوطن أيديولوجيا أخرى على طاولة الصراع.
وتدخل الهوية الوطنية في منافسة مع الإسلامية والعلمانية والليبرالية والاشتراكية وغيرها.
وهنا ينقلب الترتيب الطبيعي.
فالوطن ليس أيديولوجيا تنافس الأيديولوجيات.
إنه المجال الذي يسمح للأيديولوجيات بأن توجد وتتنافس.
ولهذا فإن المطلوب ليس إلغاء الأيديولوجيا.
بل توطينها.
أي إخضاع حركتها السياسية للعقد الوطني المشترك.
عندها يستطيع الإسلامي أن يكون إسلاميًا.
والعلماني أن يكون علمانيًا.
واليساري أن يكون يساريًا.
والليبرالي أن يكون ليبراليًا.
دون أن يحتاج أي منهم إلى إعادة صناعة السودان على صورته حتى يستطيع أن يوجد داخله.
الوطن قامة، والأيديولوجيا قيمة؛ وحين تعلو قيمة الأيديولوجيا على قامة الوطن تخرج السياسة عن مسارها.
متى تبدأ السياسة إذن؟
إذا كان هناك مجال ما قبل سياسي، فمتى نستطيع القول إن السياسة قد بدأت؟
تبدأ السياسة عندما يصبح سؤال:
ما الدولة؟
مستقرًا بما يكفي لكي ننتقل إلى سؤال:
كيف نديرها؟
وتبدأ عندما يتحول السؤال من:
من يملك السودان؟
إلى:
من يفوضه السودانيون لإدارة الحكومة؟
وتبدأ عندما يعرف الفائز أنه فاز بالحكومة ولم يفز بالوطن.
ويعرف الخاسر أنه خسر السلطة ولم يخسر الدولة.
وتبدأ عندما تستطيع الأيديولوجيات أن تتنافس دون أن يكون انتصار إحداها إعلانًا لهزيمة الهوية الوطنية المشتركة.
وتبدأ عندما يصبح الدستور تجسيدًا لعقد اجتماعي سابق، لا ساحة يكتب فيها المنتصر تعريفه للدولة.
عندها فقط نستطيع أن نقول:
بدأت السياسة.
السياسة الحقيقية تبدأ بعد الاتفاق على الدولة
وهنا نصل إلى قاعدة مركزية في مشروع إعادة التأسيس:
السياسة الحقيقية تبدأ بعد الاتفاق على الدولة، لا بالصراع عليها.
قد تبدو هذه العبارة بسيطة، لكنها تعيد ترتيب تاريخ كامل من المفاهيم.
فهي تعني أن كثيرًا مما جرى بوصفه صراعًا سياسيًا في السودان كان يحمل في داخله صراعًا تأسيسيًا لم يُحسم.
وتعني أن علاج المشكلة لا يبدأ فقط بإصلاح الأحزاب أو الانتخابات أو الدساتير.
بل بإعادة كل سؤال إلى مستواه الصحيح.
السؤال التأسيسي إلى المجتمع.
والسؤال الدستوري إلى ما بعد العقد الاجتماعي.
والسؤال السياسي إلى الأحزاب والمنافسة.
والسؤال الإداري إلى الحكومة.
والسؤال السيادي إلى الدولة.
عندها تتوقف المؤسسات عن محاولة أداء وظائف ليست وظائفها.
من الحوار التأسيسي إلى الحوار السياسي
وهنا تتضح أيضًا العلاقة بين نوعين مختلفين من الحوار.
هناك:
حوار يسبق الدولة.
وهناك:
حوار يجري داخل الدولة.
الأول مجتمعي تأسيسي.
والثاني سياسي تنافسي.
الأول يبحث عن المشترك.
والثاني يعرض البدائل.
الأول ينتج التوافق.
والثاني قد ينتج الاتفاق والائتلاف والمعارضة.
الأول غايته العقد الاجتماعي.
والثاني غايته إدارة الشأن العام.
الأول يسأل:
على أي دولة نريد أن نتوافق؟
والثاني يسأل:
أي السياسات أفضل لهذه الدولة؟
والمشكلة تبدأ عندما نحاول استخدام الحوار الثاني لأداء وظيفة الأول.
حينها نجمع السياسيين ليقرروا نيابة عن المجتمع ما هو الوطن.
ونجمع الأيديولوجيات لتتفاوض على الهوية.
ونجمع المتنافسين على السلطة ليحددوا القواعد التي ينبغي أصلًا أن تسبق تنافسهم.
ثم نتعجب من أن الحوار نفسه يعيد إنتاج الصراع.
اللحظة الفاصلة
هناك إذن لحظة فاصلة في عملية بناء الدولة.
لحظة ينتقل فيها المجتمع من التأسيس إلى السياسة.
قبلها يكون السؤال:
كيف نعيش معًا؟
وبعدها يصبح السؤال:
كيف ندير ما أسسناه معًا؟
قبلها يكون المجتمع هو صاحب الفعل المركزي.
وبعدها تدخل الأحزاب إلى مجالها الطبيعي.
قبلها نبحث عن التوافق.
وبعدها يصبح الاختلاف مشروعًا.
قبلها نؤسس الملعب.
وبعدها تبدأ المباراة.
وهذه اللحظة لا تعني أن المجتمع ينسحب بعد التأسيس.
فهو سيعود بوظيفة أخرى: الحراسة والرقابة وحماية العقد الذي أسس الدولة.
لكن وظيفة السياسة تصبح واضحة.
ووضع الدولة يصبح واضحًا.
وحدود الحكومة تصبح واضحة.
أن نختلف بعد أن نتفق على حقنا في الاختلاف
ليست الدولة الناجحة هي الدولة التي يتفق فيها الجميع.
مثل هذه الدولة لا توجد.
الدولة الناجحة هي التي يعرف مواطنوها أين يجب أن يتوافقوا وأين يحق لهم أن يختلفوا.
يتوافقون على الدولة.
ويختلفون في السياسة.
يتوافقون على المواطنة.
ويختلفون في البرامج.
يتوافقون على الحقوق.
ويختلفون في الأولويات.
يتوافقون على قواعد اللعبة.
ثم يتنافسون بكل قوتهم داخلها.
وهنا يتحول الاختلاف من مصدر خوف إلى مصدر حيوية.
والتعدد من تهديد إلى ثروة.
والسياسة من صراع على الوجود إلى تنافس على الإنجاز.
وعندها فقط نستطيع أن نضع الحد الفاصل الذي افتقدناه طويلًا:
قبل الدولة: تأسيس.
داخل الدولة: سياسة.
وما بينهما يقف العقد الاجتماعي بوصفه الجسر الذي ينقل المجتمع من سؤال:
كيف نؤسس وجودنا المشترك؟
إلى سؤال:
كيف ندير اختلافنا داخل ما أسسناه؟
ذلك هو المعنى الأعمق لـ «ما قبل السياسة».
وهو أيضًا السبب الذي يجعل الحوار الذي يسبق الدولة ضرورة تسبق الحوار السياسي، لا بديلًا دائمًا عنه.
فالغاية ليست إخراج السياسة من السودان.
بل للمرة الأولى، ربما، إدخالها إلى مكانها الصحيح.

