حوارات حول الأفكار : أديس..حوار بلا وطن (28) : نحو تيار وطني سوداني جديد: من الأيديولوجيا إلى فكرة* *الدولة : د. حيدر معتصم مدني : إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار

منذ الاستقلال وحتى اليوم ظل المجال السياسي السوداني يتحرك ـ بدرجات متفاوتة ـ داخل:
منطق الأيديولوجيا.
أي أن معظم القوى السياسية تعاملت مع الدولة باعتبارها:
أداة لتنفيذ مشروع فكري،
أو وسيلة لفرض تصور معين للهوية والمجتمع والسياسة.
ولهذا دخل السودان في صراع طويل بين:
مشاريع متنافسة على تعريف الوطن،
لا بين برامج مختلفة لإدارة وطن متفق عليه.
ومن هنا تعثرت عملية بناء الدولة.
لأن الأيديولوجيا ـ مهما كانت ـ حين تتحول إلى مرجعية أعلى من الوطن، فإن السياسة تفقد قدرتها على:
إدارة التنوع،
وبناء التوافق،
وصناعة المجال الوطني المشترك.
وهذا ما عاشه السودان لعقود طويلة.
فكل تيار كان يرى نفسه:
صاحب الحقيقة،
أو الممثل الحقيقي للوطن،
أو الحارس الشرعي للهوية.
وفي المقابل جرى التعامل مع المختلفين باعتبارهم:
تهديدًا للمشروع الوطني،
أو خطرًا على الدولة،
أو عقبة أمام “الخلاص”.
وهنا تحولت السياسة من:
إدارة للاختلاف…
إلى:
معركة بين مشاريع خلاص متصارعة.
ومن أخطر نتائج ذلك أن:
فكرة الدولة نفسها تراجعت لصالح:
فكرة الجماعة.
فأصبح الولاء أحيانًا:
للحزب،
أو الأيديولوجيا،
أو التحالف،
أكثر من الولاء:
للوطن الجامع.
ولهذا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى:
أحزاب جديدة…
بل يحتاج إلى:
وعي سياسي جديد.
وعي ينتقل من:
منطق الأيديولوجيا المغلقة…
إلى:
منطق الدولة الوطنية الجامعة.
ومن هنا تظهر أهمية:
التيار الوطني.
لكن المقصود هنا ليس:
حزبًا جديدًا،
ولا تحالفًا انتخابيًا عابرًا،
ولا جبهة سياسية مؤقتة.
بل المقصود:
إطار وطني واسع يعيد ترتيب العلاقة بين:
الدولة،
والمجتمع،
والسياسة،
والهوية،
والأمن القومي.
أي تيار يقوم على فكرة بسيطة وعميقة:
أن الوطن أكبر من الأيديولوجيا.
وأن الدولة ليست غنيمة فكرية.
وأن السياسة يجب أن تتحرك داخل:
مرجعية وطنية مشتركة،
لا داخل مشاريع احتكار للحقيقة.
ولهذا فإن التيار الوطني الحقيقي لا يُبنى على:
إلغاء التنوع،
ولا على إذابة الاختلافات الفكرية.
بل يُبنى على:
الاتفاق حول:
الثوابت الوطنية العليا التي تجعل الاختلاف ممكنًا دون انهيار الدولة.
أي الاتفاق على:
السيادة الوطنية،
ووحدة الدولة،
والأمن القومي،
والهوية الجامعة،
والمصلحة الوطنية العليا.
ثم بعد ذلك يتنافس الناس بحرية حول:
البرامج،
والسياسات،
وطرق إدارة الدولة.
ومن هنا فإن الفرق كبير بين:
التيار الوطني…
والتيار الأيديولوجي.
فالتيار الأيديولوجي يبدأ من:
الفكرة التي يريد فرضها على المجتمع.
أما التيار الوطني فيبدأ من:
الدولة التي يريد حمايتها وبناءها.
ولهذا فإن التيار الوطني لا يرى:
الجيش عدوًا،
ولا المجتمع المدني خصمًا،
ولا التنوع خطرًا،
ولا السياسة حربًا مقدسة.
بل يرى أن:
كل هذه المكونات يجب أن تعمل داخل:
مشروع وطني متوازن.
ومن هنا فإن السودان يحتاج اليوم إلى:
تحول عميق في الوعي السياسي.
تحول ينقل المجال العام من:
الصراع على الهيمنة…
إلى:
التنافس داخل دولة متفق عليها.
ومن أخطر ما واجه السودان أيضًا أن كثيرًا من المشاريع السياسية كانت تتحرك بمنطق:
“من ينتصر؟”
بينما السؤال الأهم كان دائمًا:
“كيف يبقى الوطن؟”
ولهذا فإن التيار الوطني الحقيقي لا يبحث فقط عن:
الوصول إلى السلطة.
بل يبحث أولًا عن:
إعادة تأسيس المرجعية الوطنية التي تجعل السلطة نفسها جزءًا من استقرار الدولة لا سببًا لانهيارها.
ومن هنا فإن بناء التيار الوطني السوداني لا يبدأ فقط عبر:
التحالفات السياسية…
بل يبدأ أولًا عبر:
إعادة بناء:
الوعي،
والمجتمع،
والمجال المدني،
والثقافة الوطنية،
والإحساس بالمصلحة المشتركة.
أي بناء:
عقل وطني جديد.
عقل يدرك أن:
الدولة ليست مشروع جماعة،
وأن الوطن لا يُختزل في أيديولوجيا،
وأن التنوع لا يعني التفكك،
وأن الاختلاف لا يعني الاستئصال.
ولهذا فإن السودان لا يحتاج اليوم فقط إلى:
تغيير سياسي…
بل يحتاج إلى:
تحول وطني شامل.
تحول يعيد السياسة إلى:
وظيفتها الطبيعية،
ويعيد المجتمع إلى:
مكانته المرجعية،
ويعيد الدولة إلى:
معناها الجامع.
ومن هنا فإن التيار الوطني ليس مجرد:
خيار سياسي…
بل ضرورة تاريخية.
لأن الدول التي تفشل في إنتاج:
تيار وطني جامع،
تظل أسيرة:
الاستقطاب،
والتفكك،
ودورات الصراع التي لا تنتهي.
أما الدول التي تنجح في بناء:
مرجعية وطنية أوسع من الجماعات المتصارعة،
فإنها تتحول تدريجيًا من:
ساحة صراع…
إلى:
وطن قابل للاستقرار والاستمرار.
وهذه هي المعركة الحقيقية أمام السودان اليوم:
ليس فقط…
من يحكم؟
بل:
كيف نعيد بناء وطن يشعر الجميع أنه أكبر من معاركهم المؤقتة؟
