التقارير

حوارات حول الأفكار : أديس حوار بلا وطن (25) : لماذا لا يكفي تغيير الحكومات؟: أزمة البنية لا أزمة الأشخاص د. حيدر معتصم مدني : إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار

من أكثر الأوهام التي سيطرت على المجال السياسي السوداني لفترات طويلة الاعتقاد بأن:
الأزمة تكمن فقط في الأشخاص الذين يحكمون.
ولهذا ظلت كثير من مشاريع التغيير تتحرك داخل سؤال واحد:
كيف نُسقط السلطة؟
وكأن مجرد تغيير الحكومة يعني تلقائيًا:
تغيير الدولة،
أو حل الأزمة،
أو بناء الاستقرار.
لكن التجربة السودانية نفسها كشفت ـ بصورة متكررة ـ أن تغيير الحكومات وحده لا يكفي.
بل إن كثيرًا من الأزمات كانت تعود بأشكال مختلفة حتى بعد:
الثورات،
والانتقالات،
والتسويات،
وتغيير النخب الحاكمة.
وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية:
لماذا تتكرر الأزمة رغم تغير الحكومات؟
في تقديري أن السبب الجوهري هو أن المشكلة في السودان ليست فقط:
أزمة أشخاص…
بل أزمة:
بنية كاملة.
أي أزمة في:
طريقة بناء الدولة،
وطبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة،
وغياب المرجعية الوطنية المستقرة،
وضعف المؤسسات،
واختلال الوعي السياسي نفسه.
ولهذا فإن تغيير الأشخاص داخل بنية مضطربة لا يؤدي بالضرورة إلى:
تغيير النتائج.
لأن البنية نفسها تعيد إنتاج الأزمة بصورة مستمرة.
ومن هنا يمكن فهم لماذا دخل السودان في دورات متكررة من:
الانقلابات،
والانتفاضات،
والتسويات،
ثم الانهيارات الجديدة.
لأن كل مرحلة كانت تحاول:
تغيير السلطة…
دون إعادة بناء:
الأساس الذي تقوم عليه الدولة أصلًا.
ولهذا فإن المشكلة لم تكن فقط:
من يحكم؟
بل:
كيف بُنيت الدولة؟
وما هي المرجعية التي تتحرك داخلها السلطة؟
وما هي الثقافة السياسية التي تدير المجال العام؟
ومن أخطر نتائج هذا الخلل أن السياسة تحولت أحيانًا إلى:
معركة أشخاص،
لا معركة بناء وطني.
فأصبح كثير من الناس يظنون أن:
إزالة جماعة معينة،
أو إسقاط نظام معين،
يعني نهاية الأزمة.
بينما الحقيقة أن الأزمات العميقة لا تُحل فقط:
بتغيير الوجوه.
بل تحتاج إلى:
تغيير البنية التي تنتج الفشل نفسه.
ولهذا فإن الدول المستقرة لا تعتمد فقط على:
حسن نية الحكام،
أو كفاءة الأفراد،
بل تعتمد على:
وجود مؤسسات قوية،
ومرجعية مستقرة،
وثقافة سياسية ناضجة،
ومجتمع قادر على حماية الدولة من الانهيار.
أما حين تكون الدولة نفسها هشة،
فإن أي سلطة جديدة تجد نفسها غالبًا داخل:
المنظومة القديمة نفسها.
ولهذا تعيد إنتاج كثير من الأزمات حتى لو اختلفت الشعارات والوجوه.
ومن هنا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى:
تداول سلطة…
بل يحتاج أيضًا إلى:
إعادة بناء القواعد التي تتحرك داخلها السلطة.
أي إعادة بناء:
المؤسسات،
والمجتمع،
والوعي السياسي،
والثقة الوطنية،
وحدود العلاقة بين:
الدولة،
والسياسة،
والجيش،
والمجتمع المدني،
والهويات الاجتماعية.
لأن غياب هذه الأسس يجعل أي تغيير سياسي معرضًا:
للاهتزاز،
والاستقطاب،
والانهيار السريع.
ومن أخطر ما حدث في السودان أيضًا أن كثيرًا من القوى السياسية تعاملت مع:
الدولة…
بوصفها أداة للسيطرة،
لا بوصفها مشروعًا طويل المدى لبناء الاستقرار الوطني.
ولهذا كانت كل جماعة تصل إلى السلطة تحاول:
إعادة تشكيل الدولة وفق تصورها الخاص.
وهنا لم تتراكم الدولة…
بل تراكمت:
الأزمات.
ولهذا فإن بناء الدولة الحديثة لا يبدأ فقط بـ:
إسقاط نظام،
أو كتابة دستور،
أو تشكيل حكومة جديدة.
بل يبدأ أولًا بـ:
إعادة بناء البنية الوطنية نفسها.
أي:
بناء مجتمع قوي،
ومؤسسات مستقرة،
ومرجعية وطنية جامعة،
وثقافة تؤمن بأن الدولة أكبر من الحكومات والأحزاب.
ومن هنا فإن الفرق كبير بين:
تغيير السلطة…
وبناء الدولة.
فتغيير السلطة قد يحدث في أيام أو شهور.
أما بناء الدولة فهو:
عملية تاريخية طويلة تحتاج إلى:
وعي،
وتراكم،
وصبر،
ومشروع وطني يتجاوز الحسابات المؤقتة.
ولهذا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى:
معارضة سياسية…
بل يحتاج أيضًا إلى:
رؤية تأسيسية جديدة.
رؤية تدرك أن:
المشكلة ليست فقط في:
من يحكم…
بل في: كيف يُبنى الوطن أصلًا؟
لأن الدول لا تنهار فقط بسبب الحكومات السيئة…
بل تنهار أيضًا حين تفشل المجتمعات في بناء:الأسس التي تمنع تكرار الفشل مهما تغيرت الحكومات.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية في السودان ليست فقط:
معركة تغيير أشخاص…
بل:معركة إعادة بناء البنية التي تنتج السياسة والدولة معًا.
وحين تُبنى هذه البنية بصورة صحيحة…
تصبح الحكومات المتعاقبة جزءًا من استقرار الدولة…
لا سببًا دائمًا لانهيارها.

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى