التقارير

حوارات حول الأفكار : أديس حوار بلا وطن (13) الجيش والسياسة والدولة أين يقع الجيش داخل بنية الدولة الوطنية؟ : د. حيدر معتصم مدني : إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار

من أكثر الأسئلة اضطرابًا في المجال السياسي السوداني سؤال:
ما هو موقع الجيش داخل الدولة؟
وهذا الاضطراب لم ينتج فقط عن الانقلابات أو الصراعات السياسية، وإنما أيضًا عن خلل عميق في فهم العلاقة بين:
الدولة،
والسيادة،
والسياسة،
والمؤسسة العسكرية.
حتى أصبح الحديث عن الجيش في السودان يتحرك غالبًا بين صورتين متناقضتين:
إما تقديس سياسي مطلق…
أو شيطنة سياسية كاملة.
وفي الحالتين يضيع المعنى الحقيقي للمؤسسة العسكرية داخل الدولة الحديثة.
لأن الجيش ـ في الأصل ـ ليس حزبًا سياسيًا.
وليس جماعة أيديولوجية.
وليس مجرد سلطة حاكمة مؤقتة.
بل هو مؤسسة سيادية وطنية تنتمي إلى بنية الدولة نفسها.
أي أن وجود الجيش يرتبط بوجود:
السيادة،
والحدود،
والأمن القومي،
وحماية الكيان الوطني.
ولهذا فإن الدولة الحديثة لا تقوم فقط على:
السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية،
بل تقوم أيضًا على مؤسسات سيادية تحفظ وجود الدولة نفسه.
وفي مقدمة هذه المؤسسات:
الجيش الوطني.
لكن المشكلة في السودان أن المجال السياسي تعامل مع الجيش غالبًا بمنطق:
الصراع على السلطة…
لا بمنطق بناء الدولة.
ولهذا اختلطت صورتان مختلفتان تمامًا:
الجيش كمؤسسة دولة،
والسلطة السياسية التي قد يديرها عسكريون في مرحلة من المراحل.
وهنا بدأ الخلط الكبير.
لأن نقد السلطة السياسية شيء…
وتحويل المؤسسة العسكرية نفسها إلى خصم وجودي للدولة شيء آخر تمامًا.
ومن هنا ظهرت واحدة من أخطر الأزمات المفاهيمية:
اختزال الصراع السياسي في ثنائية:
“مدني / عسكري”.
وكأن الجيش جسم غريب عن الدولة أو المجتمع.
بينما الحقيقة أن الجيش الوطني ـ في أي دولة مستقرة ـ هو جزء من:
البنية السيادية للدولة،
لا مجرد طرف سياسي عابر.
ولهذا فإن المجتمعات المستقرة تحرص دائمًا على التمييز بين:
المؤسسة العسكرية…
والممارسة السياسية للسلطة.
فالجيش قد يخطئ،
وقد يتدخل في السياسة،
وقد يدخل في صراعات السلطة،
لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن وجوده بوصفه:
مؤسسة سيادية وطنية،
ضرورة لوجود الدولة نفسها.
ومن هنا فإن واحدة من أخطر مشكلات السودان أن القوى السياسية كثيرًا ما تعاملت مع الجيش لا باعتباره:
مؤسسة يجب إصلاح علاقتها بالسياسة،
بل باعتباره:
مشكلة وجود يجب إقصاؤها من المجال الوطني.
وفي المقابل وقعت بعض الاتجاهات داخل المؤسسة العسكرية أو حولها في خطأ آخر:
حين اختزلت الدولة نفسها في المؤسسة العسكرية.
وهكذا دخل السودان في معادلة مضطربة:
بعض السياسيين أرادوا إلغاء الجيش من فكرة الدولة،
وبعض العسكريين تعاملوا مع الدولة وكأنها امتداد للمؤسسة العسكرية.
وفي الحالتين تضررت الدولة نفسها.
لأن الدولة الحديثة لا تُبنى بإلغاء المؤسسة العسكرية…
ولا بتحويلها إلى بديل عن المجتمع والسياسة.
بل تُبنى عبر:
توازن واضح بين:
المجال السيادي،
والمجال السياسي،
والمجال المجتمعي.
فالسياسة وظيفتها:
إدارة التنافس.
والمجتمع وظيفته:
إنتاج المرجعية الوطنية والتوازن العام.
أما الجيش فوظيفته:
حماية الدولة والسيادة والأمن القومي.
وحين تختلط هذه الوظائف تدخل الدولة في حالة اضطراب دائم.
ولهذا فإن المجتمعات التي تفشل في تحديد موقع الجيش داخل الدولة، تتحول فيها المؤسسة العسكرية إما إلى:
فاعل سياسي دائم،
أو هدف دائم للصراع السياسي.
وفي الحالتين يفقد الوطن توازنه.
ومن هنا يمكن فهم لماذا ظلت قضية:
العلاقة بين الجيش والسياسة،
من أكثر القضايا تعقيدًا في السودان.
لأن المشكلة لم تكن فقط في:
التدخل العسكري في السياسة،
بل أيضًا في:
فشل النخب السياسية في بناء دولة مستقرة المرجعية قادرة على تنظيم العلاقة بين:
المؤسسات السيادية…
والعملية السياسية.
ولهذا فإن أي مشروع حقيقي لبناء الدولة السودانية لا يمكن أن يقوم على:
شيطنة الجيش،
ولا على عسكرة الدولة،
وإنما على:
إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة والسياسة بصورة متوازنة.
أي بناء دولة:
يظل فيها الجيش مؤسسة سيادية وطنية،
وتظل السياسة مجالًا للتنافس المدني،
ويظل المجتمع مرجعية أعلى من الاستقطاب الحزبي.
لأن الأوطان لا تُحمى فقط بالبندقية…
ولا تُدار فقط بالشعارات السياسية.
بل تُبنى حين تعمل:
المؤسسات السيادية،
والمجتمع،
والسياسة،
داخل مشروع وطني مشترك.
وحين يفشل هذا التوازن…
يتحول الجيش إلى جزء من الأزمة،
بدل أن يكون جزءًا من حماية الدولة من الانهيار.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل يكون الجيش حاضرًا أم غائبًا؟
بل:
كيف تُبنى دولة تجعل كل مؤسسة تقوم بوظيفتها الطبيعية دون أن تبتلع بقية الدولة؟

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى