الراي

محجوب أبوالقاسم : يكتب : مكتب كهرباء الحلفايا يا وزير الطاقة!! (1-2)

لم يكن حديث عضو مجلس السيادة ورئيس هيئة الأركان الفريق أول ركن ياسر العطا عبدالرحمن عندما أشار إلى وجود من وصفهم بالجنجويد داخل الخدمة المدنية مجرد تصريح عابر وإنما فتح بابا واسعا للتساؤل حول أسباب تعثر الخدمات في مؤسسات الدولة، وبالرغم من عودة العديد من المناطق إلى كنف الدولة واستعادة الأمن فيها فالمعركة الحقيقية لا تنتهي بتحرير الأرض وحدها وإنما تمتد إلى تحرير مؤسسات الدولة من كل مظاهر الإهمال والتسيب والبيروقراطية التي ترهق المواطن وتبدد آماله.
أكتب هذه السطور وأنا أحمل وجع شخصي لكنه في الوقت نفسه وجع آلاف السودانيين الذين عادوا إلى ديارهم بعد سنوات من النزوح القسري، عدت إلى منزلي بعد عامين من الغربة القسرية وهي أطول وأقسى فترة قضيتها بعيدا عن وطني عدت كما عاد كثيرون لا لنجد بيوتا عامرة وإنما لنبدأ من جديد بعد أن حولتها مليشيا الدعم السريع إلى أطلال بالحرق والنهب والتخريب،
ومع ذلك حمدنا الله على السلامة وآثرنا أن نعيد البناء بأيدينا.
لقد كان قطاع الكهرباء من أكثر القطاعات التي دفعت ثمن الحرب، إذ تجاوزت خسائره تسعة مليارات دولار ورغم ذلك نجح العاملون المخلصون فيه أولئك الجنود المجهولون في إعادة التيار إلى مناطق كثيرة في ظروف بالغة التعقيد وقد كنت من أوائل الذين أشادوا بجهودهم وكتبت عن تضحياتهم وأنا خارج السودان، إيمانا بأن الإنصاف واجب.
لكن وبينما لم يجف حبر تلك الإشادة وجدت نفسي مضطرا لأن أكتب عن الوجه الآخر للمشهد وجه يصنعه بعض الموظفين الذين يهدمون بثقة المواطن ما يبنيه المخلصون بتضحياتهم.
قصتي مع مكتب كهرباء الحلفايا ليست قضية شخصية بل نموذج صارخ لمعاناة عشرات المواطنين فمنذ أكثر من شهر ظل أحد أقاربي الذي يقيم بمنزلي بالتردد على المكتب بعد أن قمنا بإصلاح الكيبل الخاص بالمنزل ولم يبقى سوى إعادة التوصيل من العمود إلى المنزل وهي مهمة لا يستطيع المواطن تنفيذها بنفسه لكن المكتب ظل يماطل رغم البلاغات المتكررة حتى اضطررنا تحت ضغط الحاجة إلى اللجوء لتوصيل غير قانوني لتوفير الحد الأدنى من الحياة.
والمفارقة المؤلمة أن فريقا من المكتب حضر صباح يوم عودتي إلى السودان فظننا أن المشكلة انتهت لكنهم لم يأتوا لإصلاح العطل وإنما لفصل التوصيل غير الرسمي وتحرير غرامة ثم غادروا دون أن يعالجوا أصل المشكلة التي دفعتنا إلى ذلك التوصيل.
لم أعترض على الغرامة رغم أن المكتب نفسه هو من أوصلنا إلى هذه المرحلة بتقاعسه ذهبت مجددا وقدمت بلاغا جديدا وشرحت كل التفاصيل لكن شيئا لم يتغير.
لاحقا حضر فريق لإصلاح عطل لدى أحد الجيران فتكرم أفراده بمراجعة حالتي وأوضحوا أن أحد العدادات معطل واقترحوا شراء الكهرباء على عداد الشقة الأخرى وتشغيل الشقتين مؤقتا إلى حين توفير عداد بديل.
استجبت فورا واشتريت الكهرباء وتمت تغذية المنزل جزئيا لكن انقطاع التيار العام حال دون إكمال العمل.
وفي صباح اليوم التالي اكتشفنا أن سلك الارضي ما زال مفصولا من العمود فعادت المشكلة من جديد، أبلغت المكتب مرة أخرى بل تدخلت إحدى الجارات مشكورة وهي مهندسة بالكهرباء وأبلغتهم شخصيا لكن دون جدوى واضطررنا إلى الاستعانة بكهربائي قام بعمل ارضي مؤقت بطريقة مباشرة وهي معالجة اضطرارية قد تعرض الشبكة المنزلية لمخاطر فنية لا تحمد عقباها.
الأخطر من ذلك أن الكهرباء التي اشتريتها ستنفد مع الاستهلاك وعندها لن أتمكن من إعادة تغذية العداد بسبب عدم استكمال التوصيل الفني وكأن المواطن يدفع دفعا للعودة إلى التوصيلات غير القانونية، ليس رغبة منه وإنما نتيجة مباشرة لتعطيل الإجراءات الرسمية.
هنا يبرز السؤال الكبير كيف نطالب المواطنين بالعودة إلى منازلهم بينما تعجز بعض المكاتب الخدمية عن إنجاز أبسط المهام؟ وكيف تبذل جهود الدولة لإعادة الإعمار ثم تقابل هذه الجهود بعقليات بيروقراطية تحبط المواطن وتستنزف صبره؟
السيد وزير الطاقة..
أرفع إليكم هذه المظلمة لا لأنها تخصني وحدي وإنما لأنها تمثل معاناة مواطنين كثر يقفون يوميا أمام أبواب المكاتب الحكومية دون أن يجدوا من يستجيب لهم.
فليس كل متضرر قادرا على إيصال صوته، وليس كل مواطن يملك منبرا يكتب منه.
إن معركة إعادة الإعمار لا تبدأ بالمحولات والأعمدة والأسلاك فقط، بل تبدأ بإصلاح الأداء الإداري، ومحاسبة المقصرين، وإعادة هيبة الخدمة العامة بوصفها خدمة للمواطن لا عبئا عليه.
فهل راجعتم أداء مكاتب الكهرباء؟ وهل يعلم المسؤولون حجم المعاناة التي يعيشها المواطن في سبيل الحصول على خدمة هي من أبسط حقوقه؟
ولنا عودة

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى