التقارير

حوارات حول الأفكار : أديس..حوار بلا وطن (14) : لماذا يتحول كل خلاف سياسي في السودان إلى أزمة وطنية؟ غياب المرجعية الوطنية العليا : د. حيدر معتصم مدني : إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار

في الدول المستقرة قد تسقط حكومات…
وتنهار تحالفات وتحدث أزمات سياسية حادة وربما تصل الخلافات إلى مستويات عالية من الاستقطاب ومع ذلك تبقى الدولة مستقرة لأن هناك دائمًا: مرجعية وطنية عليا،
وإطارًا جامعًا وثوابت لا تدخل في سوق الصراع السياسي اليومي.
أما في السودان، فإن كثيرًا من الخلافات السياسية تتحول بسرعة إلى:
أزمات وطنية،
أو صراعات وجودية،
أو انقسامات اجتماعية،
أو حروب مفتوحة.
وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية:
لماذا يحدث ذلك؟
في تقديري أن السبب الأعمق يعود إلى:
غياب المرجعية الوطنية العليا.
أي غياب تلك المساحة التي يشعر الجميع أنها:
أكبر من الأحزاب،
وأعلى من السلطة،
وأوسع من الأيديولوجيا،
وأبقى من الصراع السياسي المؤقت.
ولهذا ظل السودان يتحرك لعقود طويلة داخل حالة من:
السيولة المرجعية.
فلا توجد حدود مستقرة لما يجب أن يبقى:
فوق السياسة.
ومن هنا أصبح كل شيء قابلًا للدخول في معركة الاستقطاب:
الهوية،
والجيش،
والسيادة،
والتاريخ،
والثقافة،
وحتى معنى الوطنية نفسه.
وهنا تفقد الدولة قدرتها على لعب دور:
الإطار الجامع.
لأن الإطار نفسه يصبح محل نزاع دائم.
ولهذا فإن المجتمعات المستقرة لا تقوم فقط على وجود:
دستور،
أو مؤسسات،
أو قوانين.
بل تقوم أيضًا على وجود:
وعي جمعي بالمصلحة الوطنية العليا.
أي وجود منطقة يشعر الجميع أنها:
ليست ملكًا لحزب،
ولا لجماعة،
ولا لسلطة مؤقتة.
ومن هنا تأتي أهمية:
المرجعية الوطنية العليا.
فهي التي تجعل:
الخلاف السياسي…
لا يتحول إلى انهيار للدولة.
لأن الجميع ـ مهما اختلفوا ـ يتحركون داخل حدود وطنية متفق عليها.
لكن المشكلة في السودان أن عملية التأسيس الوطني لم تُنجز بصورة مكتملة.
ولهذا ظلت المرجعية نفسها موضع تنازع.
فكل جماعة سياسية حاولت أن تقدم نفسها باعتبارها:
الممثل الحقيقي للوطن،
أو الحارس الوحيد للهوية،
أو صاحب الشرعية الأخلاقية العليا.
وفي المقابل جرى التعامل مع الخصوم أحيانًا باعتبارهم:
تهديدًا للدولة،
أو خطرًا على الهوية،
أو مشروعًا لهدم الوطن.
وهنا يصبح من الطبيعي أن يتحول أي خلاف سياسي إلى:
معركة وطنية شاملة.
لأن الأطراف لا تختلف فقط حول:
السياسات،
بل حول:
تعريف الوطن نفسه.
ومن أخطر نتائج غياب المرجعية الوطنية العليا أن المجتمع يفقد تدريجيًا:
الثقة،
والاستقرار النفسي،
والإحساس بوجود دولة تعلو فوق الجميع.
وهنا يبدأ الناس في البحث عن بدائل:
قبلية،
أو جهوية،
أو أيديولوجية،
أو عسكرية،
توفر لهم الإحساس بالحماية والانتماء.
وفي هذه اللحظة تبدأ الدولة في التآكل من الداخل.
لأن فكرة الوطن المشترك تصبح أضعف من:
الاصطفافات الفرعية.
ولهذا فإن الدولة الحديثة لا تُبنى فقط عبر:
تقاسم السلطة،
أو الانتخابات،
أو الاتفاقات السياسية.
بل تُبنى أولًا عبر:
إنتاج مرجعية وطنية يشعر الجميع أنها:
تخصهم جميعًا،
ولا يحتكرها أحد.
مرجعية تقوم على:
السيادة الوطنية،
ووحدة الدولة،
والأمن القومي،
والهوية الجامعة،
والمصلحة العليا للمجتمع.
وهذه ليست ملفات حزبية.
بل ثوابت تأسيسية يجب أن تبقى فوق الصراع السياسي.
لكن ما حدث في السودان أن المجال السياسي تمدد حتى حاول احتكار:
الوطن نفسه.
وهنا لم تعد السياسة:
إدارة للتنافس،
بل تحولت إلى:
معركة على المرجعية العليا ذاتها.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو كثير من الأزمات السودانية وكأنها:
أكبر من حجمها السياسي المباشر.
لأن المشكلة ليست فقط في الحدث…
بل في هشاشة الإطار الوطني الذي يحتوي الحدث.
ولهذا فإن أي مشروع حقيقي لبناء الدولة السودانية يجب أن يبدأ بإعادة بناء:
المرجعية الوطنية العليا.
أي إعادة إنتاج:
فكرة الوطن المشترك،
والمصلحة الوطنية المشتركة،
والمجال الذي يبقى فوق التنافس السياسي.
لأن الدول لا تستقر حين يتفق الناس على كل شيء…
بل تستقر حين يعرف الجميع:
ما الذي لا ينبغي أن يتحول إلى موضوع حرب سياسية.
وحين تغيب هذه المنطقة…
يتحول كل خلاف إلى معركة وجود.
وتتحول السياسة نفسها إلى مصدر دائم لتهديد الدولة بدل أن تكون أداة لتنظيمها.
ولهذا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى:
حلول سياسية…
بل يحتاج أيضًا إلى:
إعادة بناء الفكرة الوطنية التي تجعل السياسة ممكنة دون أن تتحول في كل مرة إلى خطر على الوطن نفسه.

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى