التقارير

تحقيق الرؤية العلمية في القرارات السيادية :قرار مجلس الوزراء بشأن الوقود يصدق على مصفوفة الفكي الاقتصادية كيف تنبأ البحث العلمي بالانهيار التاريخي للعملة الوطنية وقدم روشتة الإنقاذ قبل عام من التحرك الحكومي؟ : تقرير : أبوبكر معتصم محمد

في خطوة أثارت ارتدادات واسعة في الأوساط الاقتصادية والسياسية جاء قرار مجلس الوزراء السوداني الأخير بالتدخل المباشر في سوق النفط والدخول كـمشتري رئيسي للوقود ليمثل تحولاً استراتيجياً لافتاً في إدارة الأزمة المعيشية المستفحلة. هذا التحرك الحكومي ورغم توقيته المتأخر لم يكن وليد الصدفة بل جاء متسقاً بالكامل ومصداقاً لنتائج دراسة بحثية معمقة نُشرت قبل أكثر من عام مما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية حول مدى اعتماد مراكز اتخاذ القرار في الدولة على مخرجات البحث العلمي الوطني.

• القرار الحكومي الأخير بالعودة إلى تنظيم واحتكار استيراد الوقود يمثل تراجعاً ضمنياً عن سياسات التحرير الكامل غير المدروسة وهو ما شخصه بدقة عالم الاقتصاد الدكتور قاسم الفكي علي في بحثه الأكاديمي المحكم المعنون مسببات ومعالجات الأزمة الاقتصادية في السودان (2012-2025) المنشور في مجلة أكاديمية شمال أوروبا للدراسات والأبحاث بالدنمارك في أبريل 2025م
فقد أكد الدكتور الفكي في ورقته العلمية وتحديداً البند الثامن من مصفوفة المعالجات الإجرائية أن رفع يد الدولة المطلق وتفويض القطاع الخاص والشركات التجارية باستيراد الوقود منذ العام 2021م أحدث فوضى عارمة في هيكل الاقتصاد محذراً من أن السلع الاستراتيجية لا يمكن تركها كلياً لآليات السوق الحرة في ظل اقتصاد يمر بظروف استثنائية وحرب طاحنة
> من متن الدراسة (أبريل 2025م) إن ترك استيراد الوقود وتصديقاته في يد الأفراد والشركات الخاصة يخلق دورتين مدمرتين للعملة الوطنية تبدأ بالطلب المحموم على الدولار في السوق الموازي لتمويل الشحن وتنتهي بتحويل الأرباح المليارية من الجنيه إلى العملات الأجنبية لخزن القيمة، مما يخنق الجنيه السوداني بشكل متواصل

• التنبؤ العلمي بانهيار العملة: قراءة الأرقام وتحققها

ولم تقف الدراسة عند حدود التشخيص بل صاغت نموذجاً استشرافياً حذر من تدهور تاريخي متسارع للعملة الوطنية. وما أشبه الليلة بالبارحة فبينما كان سعر الصرف يتأرجح عند مستويات معينة مطلع العام الماضي تلاحقت الأزمات ليتجاوز الدولار حاجز الـ 5000 جنيه سوداني في العام الحالي 2026م وهو الانهيار الذي وضعت الدراسة خطوطه العريضة بدقة علمية متناهية، مرجعةً السبب الرئيسي إلى الهجمة العشوائية على النقد الأجنبي من قبل مستوردي القطاع الخاص.
ويرى خبراء ومحللون أن دخول الدولة اليوم كقوة شرائية ومستورد رئيسي للمحروقات سيعمل بمثابة مكابح طوار
لقطع الطريق أمام المضاربات والحد من سحب السيولة الأجنبية من السوق الموازي وهو عينه ما وصفتها ورقة الدكتور قاسم الفكي بـالمعالجة الجذرية وحتمية التراجع التدريجي لحماية الأمن القومي والاقتصادي
البحث العلمي وتطوير الدول ردم الفجوة الزمنية
تُظهر الفجوة الزمنية بين تاريخ نشر البحث (أبريل 2025م) وتاريخ اتخاذ القرار الحكومي (منتصف 2026م) معضلة كبرى تواجه إدارة الأزمات في السودان وهي عزلة الأجهزة التنفيذية عن المنصات الأكاديمية والبحثية فبينما تقبع الحلول والمصفوفات الجاهزة في بطون المجلات العلمية المحكمة ذات المعايير الدولية، تنتظر الأجهزة الحكومية تفاقم الأزمات إلى حد الانفجار لتتخذ ذات القرارات التي نادى بها العلماء سلفاً
وتبرز الأهمية القصوى للبحث العلمي الوطني في ترقية المجتمعات وتجاوز الأزمات عبر عدة محاور:
الاستشراف وتفادي الأزمات إن تبني التوصيات العلمية فور صدورها يجنب البلاد الدخول في عنق الزجاجة ويوفر مليارات الدولارات والوقت المهدر في تجريب الحلول المؤقتة.
مصفوفات عملية لا تنظيرية تميزت دراسة الدكتور الفكي بتقديم مصفوفة تنفيذية مرنة قابلة للتطبيق الفوري، متجاوزةً تقارير المؤسسات الدولية (كالبنك الدولي) التي غالباً ما تغفل الخصوصية الاجتماعية والتركيبة الهيكلية للاقتصاد السوداني.
الاعتماد على الذات والفكر الوطني تؤكد الأزمة الحالية أن الارتكان إلى “الروشتات المستوردة أورث البلاد فقراً وتضخماً، وأن البديل الآمن هو تعظيم الفكر المحلي المعايش للواقع.
تحقيق العدالة الاجتماعية يضع البحث العلمي أرقاماً حقيقية أمام المسؤولين مثل فجوة الأجور الحالية وحد الكفاية لمنع التخبط الإداري وضمان استقرار معاش الناس كأولوية قصوى.
إن قرار مجلس الوزراء الأخير، ورغم كونه خطوة إسعافية في الاتجاه الصحيح، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن النجاة الاقتصادية تمر حتماً عبر بوابات الجامعات ومراكز الأبحاث الوطنية إن الورقة البحثية للدكتور قاسم الفكي المنشورة دولياً والموثقة بأعلى معاملات التأثير الرقمية (ISI و DOI) لا تزال تقدم مصفوفة متكاملة لبقية قطاعات الاقتصاد المنهك. فهل يلتفت صناع القرار لما تبقى من روشتة الإنقاذ” العلمية قبل أن تسبقهم الأرقام مرة أخرى؟

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى