التقارير

حوارات حول الأفكار : أديس حوار بلا وطن (6) الفرق بين الأسئلة الحضارية والأسئلة السياسية ولماذا فشل السودان في معالجة أزمة الهوية؟ : د. حيدر معتصم مدني : إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار

من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها النخب السياسية في السودان أنها تعاملت مع الأسئلة الحضارية العميقة باعتبارها مجرد ملفات سياسية قابلة للحسم عبر:
الانتخابات،
أو الأغلبية،
أو التحالفات،
أو القوة،
أو التسويات المؤقتة.
وهنا بدأ الخلل الحقيقي.
لأن هناك فرقًا جوهريًا بين:
الأسئلة السياسية…
والأسئلة الحضارية.
فالأسئلة السياسية تدور حول:
كيف تُدار الدولة؟
وكيف تُوزع الموارد؟
وما هي السياسات الاقتصادية؟
ومن يحكم؟
وكيف يتم تداول السلطة؟
أما الأسئلة الحضارية فهي أعمق من ذلك بكثير.
لأنها تتعلق بـ:
من نحن؟
وما هي مرجعيتنا الجمعية؟
وكيف نفهم علاقتنا بالتاريخ؟
وما هي هويتنا المشتركة؟
وما هي القيم التي يقوم عليها المجتمع؟
وما هو الإطار الثقافي والأخلاقي الذي تنتظم داخله الدولة؟
أي أن السياسة تُدير المجتمع…
أما الحضارة فتُنتج المعنى الذي يجعل المجتمع ممكنًا أصلًا.
ولهذا فإن المجتمعات المستقرة لا تُخضع الأسئلة الحضارية للمزايدة الحزبية اليومية.
لأن الحضارة ليست برنامجًا انتخابيًا.
والهوية ليست شعارًا سياسيًا مؤقتًا.
والدولة ليست مجرد نتيجة لتحالف عابر أو أغلبية لحظية.
لكن ما حدث في السودان هو أن القوى السياسية تعاملت مع قضايا:
الهوية،
والدين،
والثقافة،
وطبيعة الدولة،
ومعنى الوطنية،
بوصفها أدوات صراع سياسي.
وهنا تحولت القضايا الحضارية إلى وقود للاستقطاب.
فبدل أن تكون الهوية عامل توحيد…
أصبحت أداة تعبئة.
وبدل أن يكون الدين عنصرًا في بناء المرجعية الأخلاقية للمجتمع…
تحول أحيانًا إلى أداة للمغالبة السياسية.
وبدل أن تكون الدولة إطارًا جامعًا…
أصبحت مشروعًا أيديولوجيًا متنازعًا عليه.
ولهذا فشل السودان في بناء هوية وطنية مستقرة.
ليس لأن المجتمع السوداني عاجز عن التعايش…
بل لأن السياسة تدخلت بصورة مستمرة في إعادة تعريف المجال الحضاري نفسه.
ومن هنا نشأت واحدة من أخطر الأزمات:
تسييس الأسئلة الحضارية.
أي تحويل القضايا التي تحتاج إلى:
توافق مجتمعي طويل،
وتراكم تاريخي،
وحوار ثقافي عميق،
إلى مجرد شعارات داخل معركة السلطة.
ولهذا كانت كل مرحلة سياسية في السودان تحمل معها محاولة جديدة لإعادة تعريف:
الوطن،
والهوية،
والثقافة،
وحتى التاريخ أحيانًا.
فأصبح المجتمع يعيش داخل حالة مستمرة من:
الاستقطاب الرمزي،
والتخندق الهوياتي،
والخوف المتبادل.
وهنا فقدت الدولة قدرتها على إنتاج معنى وطني جامع.
ومن أخطر نتائج هذا الخلط أيضًا أن السياسة أصبحت تتجاوز حدودها الطبيعية.
لأن وظيفة السياسة ليست إعادة تشكيل الحضارة.
وليست فرض هوية جديدة على المجتمع.
وليست إعادة هندسة الوعي الجمعي بالقوة أو بالغلبة الحزبية.
بل وظيفتها الأساسية هي:
إدارة الاختلاف داخل مجتمع يملك أصلًا مرجعية حضارية مستقرة.
لكن حين تغيب هذه المرجعية، أو تصبح محل نزاع دائم، تتحول السياسة إلى صراع مفتوح على:
المعنى نفسه.
وهنا لا يعود الخلاف مجرد خلاف حول البرامج أو السياسات، وإنما يتحول إلى صراع حول:
من يملك تعريف الحقيقة الوطنية؟
ومن يملك الحق في تمثيل الهوية؟
ومن يحدد شكل المجتمع؟
ولذلك فإن كثيرًا من الصراعات التي تبدو سياسية في السودان هي في حقيقتها:
أزمات حضارية غير محسومة.
لكن المشكلة أن النخب حاولت حلها بأدوات سياسية قصيرة المدى.
ولهذا فشلت معظم التسويات.
لأنها تعاملت مع الأعراض…
ولم تقترب من جذور الأزمة.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو كثير من الحوارات السياسية في السودان عاجزة عن الوصول إلى استقرار حقيقي.
لأنها تتحرك داخل فضاء لم يُحسم فيه بعد:
معنى الدولة،
ومرجعية المجتمع،
والهوية الوطنية الجامعة.
أي أن السياسة تتحرك فوق أرضية تأسيسية غير مستقرة.
ولهذا فإن بناء الدولة الحديثة لا يبدأ فقط بالمؤسسات والدساتير، وإنما يبدأ أيضًا بإعادة التوازن بين:
المجال الحضاري…
والمجال السياسي.
بحيث تعود السياسة إلى وظيفتها الطبيعية:
إدارة الدولة.
بينما يُترك بناء المرجعية الحضارية للمجتمع نفسه عبر:
الثقافة،
والتعليم،
والحوار المجتمعي،
والمؤسسات المدنية والأهلية،
والتجربة الوطنية المشتركة.
لأن الأوطان لا تُبنى بالغلبة الأيديولوجية…
بل تُبنى حين يشعر الناس أن اختلافاتهم السياسية تتحرك داخل هوية وطنية أوسع تجمعهم جميعًا.
وحين تفشل الدولة في إنتاج هذا الإطار الجامع…
تتحول السياسة إلى معركة دائمة على تعريف المجتمع نفسه.
وهنا لا تستقر الأوطان…
حتى لو توقفت الحروب مؤقتًا.

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى