السياسة

حوارات حول الأفكار : د. حيدر معتصم مدني :أديس حوار بلا وطن (2) ما هي وظيفة السياسة أصلًا؟ كيف ضاع معنى السياسة في السودان إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار

من أكبر المشكلات التي واجهت السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم أن المجال السياسي السوداني ظل يمارس السياسة دون اتفاق حقيقي على معنى السياسة نفسها. و لهذا تحولت السياسة ـ في الوعي العام ـ من وظيفة لإدارة الدولة إلى معركة مفتوحة على:
الهوية،
والتاريخ،
والدين،
والمجتمع،
والجيش،
والثقافة،
بل وحتى على تعريف الوطن نفسه.وهنا ضاع المعنى، لأن السياسة في أصلها ليست صراعًا على كل شيء.بل هي وظيفة محددة داخل بنية الدولة.
فالسياسة ـ في معناها الطبيعي ـ لا تُنشئ المجتمع، ولا تُنتج الهوية، ولا تُعرّف الحضارة، ولا تصنع الذاكرة التاريخية للأمم، وإنما تقوم بوظيفة أكثر تحديدًا:
إدارة المصالح العامة داخل إطار وطني متفق عليه.
أي أن السياسة في جوهرها:
تنافس على إدارة الدولة…
لا صراع على تعريف الدولة نفسها.ولهذا فإن المجتمعات المستقرة لا تبدأ العملية السياسية من سؤال:
من نحن؟
بل تبدأ من سؤال:
كيف نُدار؟
لأن سؤال “من نحن؟” سؤال حضاري ـ مجتمعي تُجيب عليه التجربة التاريخية والذاكرة الجمعية والمؤسسات المجتمعية والثقافية، بينما سؤال:
“كيف نُدار؟”
هو السؤال السياسي الحقيقي.
لكن الأزمة في السودان أن النخب السياسية حاولت تحويل السياسة إلى أداة لإعادة تشكيل المجتمع نفسه.
فلم تعد الأحزاب تتنافس حول:
الاقتصاد،
والخدمات،
والتنمية،
وإدارة الدولة،
وإنما أصبحت تتصارع حول:
من يملك تعريف الوطن؟
ومن يملك احتكار الوطنية؟
ومن يملك الحق في صياغة هوية المجتمع؟
وهنا خرجت السياسة من حدودها الطبيعية، وتحولت إلى مشروع هيمنة.
ولذلك فإن المشكلة في السودان ليست فقط سوء ممارسة سياسية، وإنما اضطراب عميق في فهم وظيفة السياسة نفسها.
لأن السياسة الطبيعية لا تعمل إلا داخل حدود واضحة.
وهذه الحدود تتمثل في:
وجود دولة،
ووجود مرجعية وطنية،
ووجود عقد اجتماعي،
ووجود ثوابت فوق التنافس السياسي.
أما حين تغيب هذه المرجعيات، فإن السياسة تتحول من:
تنافس…
إلى صراع وجودي.
وهذا ما حدث في السودان.
فبدل أن تكون الأحزاب أدوات لإدارة الاختلاف داخل الوطن، أصبحت مشاريع متصارعة على تعريف الوطن نفسه.
ومن هنا نشأت حالة خطيرة جدًا:
اختلط فيها السياسي بالحضاري،
واختلط الحزبي بالوطني،
واختلط التنافس بالتأسيس.
ولهذا أصبحت السياسة السودانية أقرب إلى:
حرب سرديات،
لا عملية سياسية طبيعية.
ومن أخطر نتائج هذا الخلط أن كل خلاف سياسي أصبح يُقدَّم باعتباره معركة مصيرية تتعلق ببقاء الوطن نفسه.
فلم يعد الخصم السياسي مجرد منافس،
بل أصبح:
خائنًا،
أو عدوًا للهوية،
أو خطرًا على الدولة،
أو تهديدًا وجوديًا.
وهنا تنهار السياسة بوصفها أداة لتنظيم الاختلاف، وتتحول إلى أداة لإلغاء الآخر.
ولذلك فإن أحد أهم شروط بناء الدولة الحديثة هو وجود “منطقة فوق السياسة”.
أي مساحة وطنية مشتركة لا تدخل في سوق التنافس الحزبي.
مثل:
السيادة الوطنية،
ووحدة الدولة،
والأمن القومي،
والجيش الوطني،
والمرجعية الدستورية،
والهوية العامة الجامعة.
لأن هذه ليست موضوعات انتخابية، وإنما مرتكزات وجود الدولة نفسها.
لكن ما حدث في السودان هو أن السياسة تمددت خارج وظيفتها الطبيعية حتى حاولت ابتلاع المجتمع والدولة معًا.
فأصبحت الأحزاب:
تُعرّف الوطنية،
وتُعيد تفسير الدين،
وتُصنّف المجتمع،
وتُحدد من هو الوطني ومن هو الخائن،
بل وتحاول أحيانًا إعادة تشكيل التاريخ نفسه.
وهنا لم تعد السياسة وظيفة إدارة…
بل أصبحت مشروع سيطرة شاملة.
ولذلك فإن جزءًا كبيرًا من الأزمة السودانية يعود إلى غياب التمييز بين:
ما هو سياسي…
وما هو مجتمعي…
وما هو حضاري…
وما هو سيادي.
فالسياسة ليست مسؤولة عن صناعة هوية المجتمع.
وليست مسؤولة عن احتكار الوطنية.
وليست مسؤولة عن تعريف الدولة من جديد كلما تغيرت موازين السلطة.
بل وظيفتها الأساسية هي:
إدارة التنافس داخل دولة مستقرة المرجعية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا فشلت معظم التجارب السياسية السودانية.
لأن القوى السياسية كانت تتعامل مع الدولة باعتبارها:
غنيمة أيديولوجية.
لا إطارًا وطنيًا مشتركًا.
ولهذا كانت كل جماعة تصل إلى السلطة تحاول:
إعادة تعريف الدولة،
وإعادة تشكيل المجتمع،
وإعادة كتابة المجال العام وفق تصورها الخاص.
فكانت النتيجة:
دولة بلا استقرار مفاهيمي،
وسياسة بلا حدود،
ومجتمع يعيش دائمًا داخل حالة استقطاب وجودي.
ولهذا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى تسوية سياسية.
بل يحتاج أولًا إلى:
إعادة تعريف وظيفة السياسة نفسها.
حتى تعود السياسة إلى مكانها الطبيعي:
أداة لإدارة الدولة…
لا أداة لإعادة اختراع الوطن في كل مرحلة من مراحل الصراع.
لأن الأوطان لا تُبنى بالمغالبة السياسية…
بل تُبنى بوجود مرجعية وطنية تعلو فوق الجميع.
وحين تغيب هذه المرجعية…
تتحول السياسة من وسيلة لبناء الدولة…
إلى معول دائم لهدمها.

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى