السياسة

حوارات حول الافكار : : د. حيدر معتصم مدني : أديس حوار بلا وطن (1) السودان وأزمة الخلط بين التأسيس والتنافس قراءة في وظيفة السياسة وحدود الحوار ومعنى الدولة إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار

ليست أزمة السودان الحقيقية في تعدد الأحزاب، ولا في ضعف الحكومات، ولا حتى في الصراع على السلطة وحده، وإنما تكمن الأزمة الأعمق في اضطراب المعنى نفسه داخل المجال السياسي السوداني، حتى أصبح من الصعب التمييز بين:
ما هو سياسي…
وما هو تأسيسي…
وما هو مجتمعي…
وما هو سيادي.
ولهذا فإن معظم ما يُقدَّم في السودان اليوم تحت عنوان “الحوار السياسي” لا يمكن وصفه ـ من الناحية المفاهيمية ـ بأنه حوار سياسي طبيعي بالمعنى الذي تقوم عليه الدولة الحديثة، وإنما هو في حقيقته صراع مفتوح على تعريف الدولة نفسها.
وهنا تبدأ الأزمة.
لأن السياسة في أصلها ليست عملية تأسيس للدولة، وإنما عملية تنافس داخل دولة قائمة أصلًا.
فالسياسة ـ في معناها الطبيعي ـ تقوم على وجود:
دولة مُعرَّفة،
وهوية عامة متوافق عليها،
وعقد اجتماعي يحدد المرجعية العليا،
ومؤسسات سيادية تحمي الكيان الوطني،
ثم يأتي بعد ذلك التنافس بين القوى السياسية حول:
كيف تُدار الدولة؟
وكيف تُدار مصالح الناس؟
وما هي البرامج الأفضل لتحقيق ذلك؟
أي أن السياسة الطبيعية هي تنافس محكوم بإطار وطني مشترك، لا صراع على تعريف الوطن نفسه.
ولهذا فإن المجتمعات المستقرة لا تدخل فيها الأحزاب إلى معارك الانتخابات وهي تختلف حول:
ما هي هوية الدولة؟
ومن يملك شرعية تمثيل الوطن؟
وهل الجيش مؤسسة دولة أم خصم سياسي؟
وهل الدين جزء من هوية المجتمع أم مشروع سلطة؟
وهل السيادة الوطنية قيمة عليا أم مجرد ورقة تفاوض؟
لأن هذه الأسئلة لا تُحسم داخل التنافس الحزبي أصلًا، وإنما تُحسم مجتمعيًا قبل السياسة.
وهنا تكمن المفارقة السودانية الكبرى.
فالسودان ـ منذ الاستقلال وحتى اليوم ـ لم يُنجز عملية التأسيس الوطني بصورة مكتملة، ولذلك دخل إلى السياسة قبل أن يُنجز بناء الدولة.
ومن هنا تحولت الأحزاب من أدوات تنافس سياسي إلى مشاريع متصارعة على تعريف الدولة نفسها.
فبدل أن تتنافس القوى السياسية حول:
كيف تُدار الدولة؟
أصبحت تتصارع حول:
ما هي الدولة التي يجب أن تقوم أصلًا؟
وهنا يفقد التنافس السياسي معناه الطبيعي، ويتحول إلى صراع وجودي مفتوح.
فتصبح كل جماعة سياسية:
ترى نفسها ممثلة للوطن،
وترى خصومها تهديدًا لهوية الوطن،
وتتعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة أيديولوجية لا إطارًا وطنيًا مشتركًا.
ولهذا لم تعد السياسة في السودان عملية تداول للأفكار، وإنما تحولت في كثير من الأحيان إلى:
حرب سرديات،
وصراع هويات،
ومعركة شرعيات متناقضة.
ومن أخطر ما نتج عن هذا الخلط أن النخب السياسية السودانية حاولت احتكار ملفات ليست من وظائفها أصلًا.
لأن تعريف هوية الدولة ليس وظيفة الأحزاب السياسية.
بل هو وظيفة مجتمعية ـ حضارية تقوم بها:
المؤسسات المدنية،
والمجتمعات الأهلية،
والنخب الفكرية والثقافية،
والوعي التاريخي الجمعي،
والتجربة الوطنية المشتركة.
أما الأحزاب السياسية فهي أدوات تنافس على إدارة الدولة، لا أدوات لإعادة تعريف المجتمع وفق تصوراتها الأيديولوجية.
لكن ما حدث في السودان هو أن السياسة لم تكتفِ بمحاولة السيطرة على السلطة، بل حاولت أيضًا السيطرة على المجتمع نفسه.
فأصبحت الأحزاب:
تتحدث باسم القبائل،
وتحتكر الوطنية،
وتعيد تعريف الدين،
وتصادر معنى المدنية،
وتعيد تشكيل المجتمع وفق مصالحها السياسية.
وهنا فقد المجتمع استقلاله الطبيعي، وتحولت السياسة من وظيفة إدارة إلى مشروع هيمنة.
ولهذا فإن الأزمة السودانية ليست فقط أزمة سلطة…
بل أزمة احتلال السياسة للمجتمع.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم العبث المفاهيمي الذي يجري تحت عنوان “الحوار السياسي السوداني”.
لأن الحوار الحقيقي بين القوى السياسية يفترض وجود:
دولة متفق عليها،
ومرجعية وطنية مشتركة،
وثوابت فوق حزبية لا تدخل في سوق التنافس.
أما حين يصبح موضوع الحوار نفسه هو:
تعريف الهوية،
وطبيعة الدولة،
وعلاقة الدين بالمجتمع،
وموقع الجيش،
ومعنى السيادة،
ومن يمثل الشعب،
فإننا لا نكون أمام حوار سياسي طبيعي، وإنما أمام أزمة تأسيس وطني كاملة.
وهذه لا تُدار عبر الصفقات السياسية، ولا عبر المحاصصات، ولا عبر التوازنات الخارجية، وإنما عبر مشروع وطني مجتمعي عميق يعيد بناء:
المعنى،
والمرجعية،
والعقد الاجتماعي،
وحدود السياسة نفسها.
ولذلك فإن واحدة من أخطر مشكلات السودان أن القوى السياسية ظلت تحاول معالجة أسئلة حضارية بأدوات سياسية.
بينما هناك فرق جوهري بين:
السياسة…
والحضارة.
فالسياسة تُدير الاختلاف،
أما الحضارة فتنتج الإطار الذي يجعل الاختلاف ممكنًا أصلًا.
ولهذا فإن:
الهوية،
والسيادة،
والذاكرة التاريخية،
والمرجعية الثقافية،
ومعنى الدولة،
ليست ملفات انتخابية قابلة للحسم بالأغلبية أو بالقوة أو بالتحالفات العابرة.
بل مرتكزات تأسيسية يجب أن تكون فوق التنافس.
لكن لأن السودان لم يُنجز تأسيسه الكامل، فقد انهارت الحدود بين:
الدولة،
والسياسة،
والسلطة.
فأصبح:
الصراع على السلطة = صراعًا على السياسة = صراعًا على الدولة نفسها.
وهنا تنهار فكرة الوطن المشترك
ولهذا فإن الخروج الحقيقي من الأزمة السودانية لا يبدأ بالسؤال التقليدي:
من يحكم السودان؟
وإنما يبدأ بالسؤال الأعمق:
ما هي الدولة التي يريدها السودانيون أصلًا؟
ومن يملك حق تعريفها؟
وأين تنتهي وظيفة السياسة وتبدأ وظيفة المجتمع؟
لأن بناء الدولة لا يبدأ من السلطة…
بل يبدأ من الوعي
ولا يبدأ من الأحزاب
بل يبدأ من المجتمع
ولا يبدأ من التسويات
بل يبدأ من التأسيس
وهذه هي المعركة الحقيقية التي لم يخضها السودان بعد

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى