التقاعد القسري للعلماء … إنتحار اكاديمي بقرار اداري هل تنصف الدولة العلماء بإيجاد صيغ الاستمرار و تنقذ مسيرة التعليم محطات : ذهبية : أبوبكر معتصم محمد

في الوقت الذي تتسابق فيه الأمم لتمديد سن العطاء لعلمائها يواجه التعليم العالي في السودان معضلة استنزاف العقول حيث يحال الأستاذ الجامعي للتقاعد عند سن الـ 65 وهي السن التي يبلغ فيها النضج الأكاديمي ذروته وتتحول فيها خبراته إلى رصيد معرفي لا يقدر بثمن
فسن الـ 65 ليست مقياسا لعدم القدرة على العطاء بل هي سن التتويج لا التوديع و من الخطأ الاستراتيجي حصر عطاء الأستاذ الجامعي بجدول زمني للتقاعد الإجباري. ففي المهنة الاكاديمية القواعد تختلف تماماً عن المهن الإدارية حيث تعتبر سنوات العمل تراكم معرفي لا يعوض فكل يوم يقضيه الأستاذ داخل قاعات الدرس وفي ردهات الحرم الجامعي هو إضافة للذخيرة المعرفية وبخروجه تفقد الجامعة البوصلة التي تضبط إيقاع البحث العلمي وتطوير المناهج و بلا شك أن الأستاذ الذي عاصر تحولات المناهج وتقلبات الأجيال هو الأقدر على صناعة تعليم يواكب مستجدات العصر لأنه لا ينقل نصوصا بل ينقل ملخصات مصغولة بسنوات من الصبر مما يجعل من قانون التقاعد ميزانا خاسرا فبمجرد إكمال السن المحددة وإحالة الأستاذ للمعاش تخسر ساحات التعليم وطلاب المعرفة ثروة أكاديمية كانت كفيلة بسد فجوات علمية كبيرة و الانقطاع القسري للاستاذ الجامعي يحدث عدة فجوات تتمثل في غياب المرجع الذي يفرغ مكتسبات سنوات العمل في عقول الجيل الجديد و فقدان الخبرة المصحوبة بالدراية التراكمية في طرق التدريس التي تلبي طموحات الأجيال الشابة وتواكب قدراتهم المتطورة بما يحتم على القائمين على أمر الدولة ووزارة التعليم العالي ضرورة إعادة صياغة القوانين المنظمة للخدمة والتحرك نحو إلغاء التقاعد القسري للعقول و إيجاد طرق تعاقدية مرنة (كالأساتذة المتفرغين بامتيازات كاملة) تسمح للأستاذ بمواصلة مسيرته طالما كان قادرا على العطاء خلاصة الحل تكمن كيفية إنصاف العقول و إنقاذ التعليم
بدلاً عن التقاعد القسري نقترح تحويل العلاقة مع الأستاذ الجامعي إلى عقد جدارة واستدامة يقوم على التحول الاستشاري بتحويل الأستاذ من كادر تدريسي روتيني إلى مستشار وطني لتطوير المناهج وضمان الجودة و إستحداث نظام الأستاذ المتفرغ بالاستمرار في الإشراف على رسائل الدكتوراه والماجستير (لسد فجوة الأجيال) بامتيازات مالية كاملة و استغلال خبراتهم في حل الأزمات القومية (الزراعة المياه الاقتصاد) و تقييم الأثر لا العمر و اعتماد الإنتاجية العلمية والقدرة على العطاء معياراً للبقاء بدلاً من تاريخ الميلاد فالأستاذ الجامعي هو المورد الذي لا ينضب والاستثمار فيه هو حماية لسيادة السودان المعرفية فالاستثمار و تحويل هؤلاء أصحاب العقول و الأدمغة إلى مستشارين لتطوير المناهج وضمان جودة التعليم يضمن استمرار تدفق العملية التعليمية المشبعة بالخبرة التراكمية للأجيال القادمة فالأستاذ الجامعي هو الشمعة التي كلما احترقت زادت ضيائا باعتباره الثروة التي لا تتقاعد بل تزداد عراقة وأصالة وخسارته بقرار إداري هي هدر لسيادة الدولة المعرفية
الأستاذ الجامعي هو العمود الفقري لأي نهضة حقيقية في السودان و النظر إليه كـثروة قومية يتطلب شجاعة في مراجعة التشريعات فالعقل البشري لا يتقاعد والخبرة لا تشترى والجودة هي نتاج سنوات من الممارسة و العطاء المثمر الذي ينتهي فقط حين تتوقف القدرة على الإبداع أما العمر فهو مجرد رقم في السجل المدني


