وجه الحقيقة : إبراهيم شقلاوي : ساعة المساءلة

خلال ترؤسها الخميس الاجتماع الأول للجنة الوطنية للتحقيق في جرائم وانتهاكات القانون الوطني والقانون الدولي الإنساني بالخرطوم، شددت النائب العام السوداني انتصار أحمد عبد العال على الإسراع في تنفيذ الخطط الموضوعة، وتفعيل آليات الرصد والتوثيق، واستكمال التحريات المتعلقة بالجرائم المرتكبة بحق المدنيين في المناطق المتأثرة بالحرب.
هذا الخبر المهم، في تقديري، ليس مجرد تحرك عدلي فرضته ظروف الحرب، بل يعلن عن لحظة تحول حقيقية في بنية الدولة، وهي تقترب من أكثر الملفات حساسية، من خلال مواجهتها ما أفرزته الحرب من انتهاكات وفقا للقانون لا حسابات السياسة. إنها بداية انتقال جيد من الصمت إلى الفعل القانوني المنظم، الذي تستعيد فيه الدولة معناها وثقة المواطنين فيها، عبر عدالة لا تُدار بالتوازنات المؤقتة أو الحقائق المنقوصة.
وقد جاء التفاعل الأولي من الأوساط الحقوقية والمراقبين والسياسيين في الاتجاه إلايجابي ، إذ اعتُبرت هذه الخطوة مؤشرًا على أن ملف الانتهاكات لم يعد مؤجلًا أو خاضعًا لمنطق التوازنات السياسية، بل بدأ يدخل نطاق المساءلة القانونية التي ينتظرها الرأي العام منذ اندلاع الحرب. هذا الترحيب يعكس حجم التطلع الشعبي إلى لحظة تعيد فيها الدولة تعريف علاقتها مع مفهوم العدالة، بعيدًا عن التوازنات أو الانتقائية أو التأجيل.
تكمن أهمية هذا الإجراء أيضآ في أنه يلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياق السوداني الراهن، وهي حجم الانتهاكات التي طالت المدنيين خلال الحرب، وما ترتب عليها من نزوح واسع، وانهيار في البنى الاجتماعية، وجرائم موثقة تستدعي مسارًا قضائيًا واضحًا لا يكتفي بالإدانة الأخلاقية، بل ينتقل إلى التوصيف القانوني والمحاسبة الفعلية.
فالدولة في هذه اللحظة لا تُختبر فقط في قدرتها على إدارة الواقع الأمني، بل في قدرتها على تحويل الظلم العام إلى مسار عدالة قابل للتطبيق، يحفظ الحقوق ويعيد الاعتبار للضحايا، ويمنع إعادة إنتاج الإفلات من العقاب.
إن العدالة في هذا السياق ضرورة لإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. كل حرب دون مساءلة تترك خلفها فراغًا قانونيًا وأخلاقيًا، يتحول مع الوقت إلى بيئة قابلة لإعادة إنتاج العنف من جديد.
وقد سبق أن تناولنا هذا الملف في مقال “عدالة الدولة… عفو أم مساءلة؟”، حيث أشرنا إلى أن التحدي الحقيقي أمام الدول الخارجة من الحروب لا يكمن في إيقاف النزاع فحسب، بل في القدرة على صياغة معادلة دقيقة بين متطلبات الاستقرار وحقوق الضحايا، وبين ضرورات التسوية السياسية ومتطلبات العدالة الانتقالية. فالدولة التي تميل إلى العفو غير المشروط تخاطر بتآكل مفهوم العدالة، بينما الدولة التي تنزلق نحو مساءلة غير متوازنة قد تعيد إنتاج الاستقطاب بأدوات قضائية. وبين هذين الحدين، تتشكل مساحة الدولة الحديثة المنتبهة إلي إدارة ما بعد الحرب.
وهنا تتقاطع الفكرة التي طرحناها سابقًا مع الواقع الجديد بصورة مباشرة. فإذا كانت الحرب قد أنتجت عودة بعض الفاعلين السياسين، وانشقاق بعض القيادات العسكرية، وتحولات سياسية وميدانية، فإن أي استيعاب لهذه التحولات لن يكون مستدامًا ما لم يُؤسس على قاعدة عدلية واضحة.
فلا يمكن أن تتحول العودة إلى الوطن إلى بوابة لمحو الجرائم، كما لا يجوز أن تتحول العدالة إلى أداة لإقصاء الخصوم أو تصفية الحسابات. ولهذا فإن اللجنة الوطنية للتحقيق ينظر لها أنها ليست مجرد لجنة لتوثيق الانتهاكات، بل حجر الأساس في تحديد شكل الدولة السودانية بعد الحرب: هل ستكون دولة مؤسسات وقانون، أم دولة تسويات ظرفية تُدار بمنطق القوة؟
الشاهد أن الضحايا يظلون المركز الحقيقي لهذه المعادلة. فبين التهجير القسري، والانتهاكات الموثقة، وتدمير البنى الاجتماعية والاقتصادية، لا يمكن اختزال العدالة في مجرد بلاغات أو ترتيبات ميدانية. العدالة هنا ليست شعارًا، بل استحقاقًا وطنيًا وأخلاقيًا لا يسقط بالتقادم أو التوازنات.
هذا الاجراء يضع الأساس لتشكيل الذاكرة القانونية للحرب، وهي الذاكرة التي ستحدد كيف تُروى الأحداث، وكيف تُبنى المحاكمات، وكيف تُصاغ سردية الدولة أمام نفسها وأمام العالم. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم في الميدان وحده، بل في ساحات الأدلة والتوثيق والحقائق، لأن من يملك أدوات القانون يملك تأثيرًا مباشرًا في تشكيل الواقع. ومن هذه المقاربة ، تمثل اللجنة الوطنية آلية مهمة، كونها أداة حكومية لحماية العدالة وصون السيادة الوطنية من أي فراغ قد تملؤه التدخلات الإقليمية والدولية.
وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن “ ساعة المساءلة” لا تعني مجرد بدء تحقيقات، بل يعني دخول الدولة مرحلة أكثر حساسية من تاريخها الحديث، مرحلة تُقاس فيها الشرعية بتحقيق العدالة، لا بالخطاب السياسي. فالدول لا تُختبر عند توقف الحرب فقط، بل عند لحظة استعدادها لمواجهة ما تركته الحرب داخلها، في القانون، وفي المجتمع، وفي القيم . وحين تبدأ هذه المواجهة بصدق وانتباه، تبدأ الدولة في استعادة معناها الحقيقي.
دمتم بخير وعافية.
السبت 16 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#ساعة_المساءلة

