وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي : حكاية البابا بين كامل إدريس والترابي

في السياسة كثيرًا ما تعود الوقائع الجديدة مرتديةً أثواب الذاكرة القديمة. لذلك لم يبدُ خبر توجه رئيس الوزراء د. كامل إدريس، أمس، إلى الفاتيكان للقاء البابا، بحثًا عن دعم مسارات السلام في السودان، حدثًا عاديا بالنسبة لي، بقدر ما أيقظ في الذاكرة مشاهد سياسية وصحفية من السنوات الأولى للإنقاذ، حين كانت العلاقة بين السلطة والإعلام، وبين السياسة والدين، تُدار بهامش من الانفتاح والثقة، يختلف كثيرًا عن تعقيدات المشهد الراهن.
في تلك السنوات، كنت مع صديقي محمد صالح الحسن، ذلك الحلفاوي الأنيق، نخطو أولى خطواتنا بين عالمين، عالم الفكر الذي كنا ننهل منه في أروقة جامعة القاهرة فرع الخرطوم، حيث كنا ندرس الفلسفة، وعالم الصحافة الذي كان بالنسبة لنا آنذاك نافذة مفتوحة على صناعة التاريخ.
كانت الجامعة حينها تعيش مخاضًا سياسيًا وفكريًا كبيرًا، سبق تحوّلها لاحقًا إلى جامعة النيلين، في واحدة من تلك التحولات التي صنعتها الحركة الطلابية، أو ما كنا نطلق عليه يومها، بشيء من الحماسة، “جمهورية الطلاب”.
في تلك الأجواء كانت السياسة تُصنع في القاعات، وفي اتحادات الطلاب، وفي الجدل المفتوح مع إدارة الجامعة، بين من يرى الحفاظ على الاسم امتدادًا للتاريخ، ومن يرى تغييره تأسيسًا للهوية الوطنية. كانت تلك تفاصيل تبدو صغيرة ، لكنها كانت، في الحقيقة، تشكّل وعي جيل كامل من النابهين.
ومن هناك قادتنا الخطى إلى مقر صحيفة الأيام شرق شارع علي عبد اللطيف، حيث التقينا بالأستاذ محمد توفيق صاحب” الجمرات “، أحد أولئك الذين كانوا يؤمنون أن الصحافة ليست مهنة فقط، وإنما مدرسة كاملة في قراءة الناس والسلطة والزمن. خلال أيام قليلة وجدنا أنفسنا داخل قلب المشهد، مؤتمرات صحفية، جلسات تنوير، لقاءات مفتوحة، كانت الحكومة في بواكيرها حريصة على عقدها بصورة منتظمة مع الصحفيين، تحت مسميات مختلفة، مرة للنشر، وأخرى للتنوير، وثالثة لتوضيح المواقف.
وبصرف النظر عن تقييم تلك المرحلة سياسيًا، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أنها عرفت قدرًا من الانفتاح الإعلامي والثقة السياسية، وكان يدير جانبًا من ذلك المشهد رجال يمكن وصفهم بأنهم ينتمون إلى المدرسة الحوارية الإصلاحية داخل الحركة الإسلامية، مثل أمين حسن عمر، وسيد الخطيب، والمحبوب عبد السلام، وهي مجموعة آمنت، في ذلك الفضاء كما بدأ لنا، بأن إدارة السلطة لا تستقيم بالأغلبية أو القوة التنظيمية، وإنما أيضًا بالقدرة على الاستماع للآخر، ومحاورة المختلف، وصناعة مساحات مشتركة داخل الساحة السياسية. ربما لهذا بدت العلاقة بين السلطة والإعلام، في تلك السنوات الأولى، أقل توترًا وأكثر استعدادًا للمقاربات.
في إحدى تلك الجلسات، كان حسن الترابي يتحدث عن العالم، وعن الدين، وعن القيم التي تصنع استقرار المجتمعات أكثر مما تصنعه القوة.. يومها تحدث بإعجاب عن البابا، لا باعتباره زعيمًا دينيًا للمسيحيين فحسب، وإنما باعتباره قيمة أخلاقية ورمزًا قادرًا على التأثير في الضمير الجمعي لمئات الملايين، وبالتالي في السياسات التي تحكمهم وتحدث التأثير.
وفي ذروة ذلك الحديث، رفعت إحدى الصحفيات يدها وسألت سؤالًا بدأ غريبًا في لحظته : لماذا لا يكون لنا بابا كما لهم؟ ضجت القاعة بالضحك والتصفيق ،لكن الترابي، بذكائه المعروف، لم يتعامل معه مجرد سؤال، بل أجاب بهدوء أن البابا يمثل أحد ممسكات وحدة المسيحيين، وأن الأمة المسلمة تملك من القيم الجامعة ووحدة القبلة، ما يجعل كيانها قائم على المشترك الديني والحضاري، لا على الرمزية الفردية.
يومها بدأ الأمر أقرب إلى طرفة سياسية أو ربما عدم قدرة علي فهم واقع الدين الإسلامي واصوله المنهجية. لكن السنوات، كما تفعل السياسة دائمًا، أعادت إنتاج السؤال في سياق أكثر جدية وأشد قسوة. واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، يعود السودان إلى الفاتيكان، ولكن هذه المرة مثقلًا بالحرب، والانقسام، والأسئلة الوجودية حول الدولة والأطماع والمجتمع والسلام.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يبدو أن السودان يعود إلى ذات المسار، ولكن من زاوية مختلفة. فزيارة كامل إدريس إلى الفاتيكان لا يمكن قراءتها باعتبارها تحركًا دبلوماسيًا تقليديًا ، بل يحمل رسالة سياسية مهمة.
أولها أن الحكومة السودانية تبحث عن مظلة أخلاقية ودولية تعزز خطاب السلام ، وثانيها أن الفاتيكان، بما يمثله من ثقل روحي ودبلوماسي عالمي، يمكن أن يلعب دورًا في إعادة تقديم السودان للعالم بوصفه دولة تبحث عن التعايش لا الصراع ، وثالثها أن الدولة السودانية، رغم تغير الأنظمة والوجوه، ما تزال تدرك أن الدين حين يُستدعى في السياسة من بوابة القيم ، يمكن أن يصبح أداة لبناء الثقة، وتعزيز فرص الأمن والسلام .
يقول : #وجه_الحقيقة إن زيارة كامل إدريس إلى الفاتيكان ليست مجرد لقاء مع البابا، بقدر ما هي استدعاء لذاكرة سياسية قديمة، كانت ترى في الحوار بين الدين والسياسة، وبين الداخل والخارج، أحد مفاتيح صناعة المستقبل. وربما هنا تبدأ حكاية البابا… بين كامل إدريس وحسن الترابي.
دمتم بخير وعافية.
الاثنين 11 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com


