محطات ذهبية : أبو بكر معتصم محمد : قوات التمرد في السودان تستهدف المواطن وتغتال الأجيال والتعليم العالي في مرمى النيران وصمت دولي يثير التساؤلات

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل تحوّل إلى أزمة وطنية عميقة تطال المدنيين في أمنهم، ولقمة عيشهم، ومستقبل أبنائهم. وبينما تستمر المواجهات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تتسع رقعة الدمار لتشمل المرافق العامة والبنى التحتية الحيوية، وعلى رأسها مؤسسات التعليم.
# استهداف المرافق العامة ضربٌ لمستقبل وطن
لم تعد الهجمات تقتصر على مواقع عسكرية بل امتدت إلى أحياء سكنية، وأسواق، ومستشفيات، ومدارس وجامعات. هذا الاستهداف للمرافق العامة لا يمثل مجرد خسارة مادية بل هو تقويض مباشر لركائز الدولة السودانية وضرب لحق المواطن في الأمن والتعليم والصحة.
التعليم العالي الذي يمثل قاطرة التنمية وأمل الشباب في مستقبل أفضل، بات ضحية مباشرة للحرب. جامعات أُغلقت كليات دُمّرت، معامل ومكتبات نُهبت أو احترقت، وأساتذة وطلاب شُرّدوا داخل البلاد وخارجها آلاف الطلاب توقفت مسيرتهم العلمية قسرا وبعضهم فقد الأمل في استكمال دراسته في مشهد يهدد بإنتاج جيل كامل محروم من فرصته في البناء والمشاركة
إن استهداف مؤسسات التعليم ليس ضررا عابرا بل هو اغتيال للأجيال وإضعافٌ متعمّد لقدرة الدولة على النهوض مستقبلا
# المجتمع الدولي بين القلق والمساواة المرفوضة
رغم فداحة المشهد الإنساني لا يزال موقف المجتمع الدولي موضع تساؤل بيانات القلق الصادرة عن الأمم المتحدة وتحركات الاتحاد الأفريقي، وتصريحات الاتحاد الأوروبي لم ترتقِ بعد إلى مستوى الحسم الذي يوقف نزيف الدم ويحمي مؤسسات الدولة.
الأخطر من ذلك هو محاولة بعض الأطراف الدولية التعامل مع الصراع بمعادلة مساواة بين الدولة ومؤسساتها الرسمية من جهة وقوات التمرد من جهة أخرى هذه المقاربة في نظر قطاعات واسعة من السودانيين، تغفل حقيقة جوهرية أن الحفاظ على الدولة ومؤسساتها وسيادتها الوطنية يختلف جذريا عن شرعنة التمرد أو إعادة إنتاجه سياسيًا
إن المساواة بين الجيش الوطني وأي تشكيل متمرد تضعف مفهوم الدولة ذاته وتبعث برسالة خاطئة مفادها أن السلاح يمكن أن يكون طريقا مشروعا لفرض الوقائع السياسية.
# ضرورة التحرك لوقف الدعم وتجفيف
المنابع يتطلب إنهاء الأزمة ما هو أكثر من الدعوات العامة لوقف إطلاق النار. المطلوب تحرك دولي واضح وحازم يهدف إلى وقف أي دعم مباشر أو غير مباشر لقوات التمرد تجفيف المنابع المالية واللوجستية التي تطيل أمد الصراع دعم مسار يحفظ مؤسسات الدولة ويعيد بسط السيادة الوطنية كاملة على كامل التراب السوداني.
فاستمرار تدفق الدعم والسلاح يطيل أمد الحرب، ويضاعف كلفة إعادة الإعمار، ويعمّق معاناة المدنيين.
# السيادة الوطنية خط أحمر
السودانيون اليوم لا ينظرون إلى المعركة بوصفها صراعًا عابرا على السلطة، بل كمعركة على بقاء الدولة نفسها. الحفاظ على السيادة الوطنية واستعادة الاستقرار يمثلان أولوية قصوى، ليس فقط لإنهاء الحرب، بل لمنع تكرارها.
وتؤكد قطاعات واسعة من الرأي العام أن أي تسوية تعيد التمرد إلى المشهد دون معالجة جذور الأزمة الأمنية، أو دون ضمان احتكار الدولة للسلاح، قد تعني إعادة إنتاج الصراع في صورة أكثر تعقيدًا مستقبلًا.
# بين الحسم والفوضى
اللحظة الراهنة مفصلية في تاريخ السودان. فإما أن يُتخذ مسار واضح يُنهي حالة السلاح المنفلت ويعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، أو تستمر دوامة الفوضى بما تحمله من مخاطر على وحدة البلاد ونسيجها الاجتماعي.
غير أن الحسم المطلوب كما يراه كثيرون، يجب أن يكون في إطار استعادة سلطة الدولة وسيادة القانون، بما يحمي المدنيين ويصون مؤسسات التعليم والصحة والخدمات، ويفتح الطريق أمام إعادة الإعمار والمصالحة الوطنية الشاملة.
السودان يقف اليوم على مفترق طرق. مستقبل أجياله واستقرار إقليمه وهيبة دولته كلها رهينة بقرارات تُتخذ الآن. والسؤال الذي يتردد في الشارع السوداني هل يتحرك العالم بما يوازي حجم المأساة، أم يترك البلاد تواجه مصيرها وحدها؟

