همس البوادي :سعاد سلامة : المواصفات والمقاييس… درع الاقتصاد في زمن الحرب والأزمات

في أزمنة الرخاء تبدو المواصفات والمقاييس وكأنها إجراءات تنظيمية روتينية لا يلتفت إليها كثيرون إلا عند التعطيل أو التأخير أو حين تُربك مصالح العابرين على حساب النظام العام لكن في زمن الحرب والأزمات تتعرّى الحقائق وتسقط الأقنعة ويظهر الدور الحقيقي للمؤسسات التي تحرس بقاء الدولة واقتصادها من الانهيار الصامت وهنا تقف المواصفات والمقاييس لا كجهاز إداري بل كخط دفاع اقتصادي متقدم ودرع سيادي وحارس أمين على صحة المواطن وكرامة السوق واستقرار المجتمع.
في زمن تتكسر فيه سلاسل الإمداد وتضعف الرقابة وتُفتح الأبواب أمام تجار الأزمات تصبح المواصفات والمقاييس صمام الأمان الأخير الذي يمنع تسلل الغش ويكبح فوضى الرداءة ويحمي المواطن من منتجات قد تفتك بصحته كما تفتك القذائف بالأجساد فهي ليست رفاهًا تنظيميًا ولا عبئًا بيروقراطيًا بل ضرورة وجودية خاصة حين يتحول السوق إلى ساحة صراع خفي بين الضمير والجشع وبين المصلحة العامة والمكاسب السريعة.
لقد أثبتت التجارب،في السودان وغيره من الدول التي عصفت بها النزاعات أن أخطر ما يواجه المجتمعات في الحروب ليس فقط شح السلع بل تدني جودتها وغياب معايير السلامة وانتشار منتجات مغشوشة تستنزف صحة الناس وأموالهم، وتزرع فقدان الثقة في كل ما يُعرض في الأسواق وهنا تتقدم المواصفات والمقاييس لتؤدي دورًا وطنيًا صامتًا لا يطلب التصفيق لكنه يمنع الكارثة ويحفظ الحد الأدنى من النظام وسط الفوضى ويعيد رسم الخط الفاصل بين المسموح والمرفوض
اقتصاديًا تشكّل المواصفات والمقاييس جدار صدٍّ حقيقيًا أمام الانهيار الكامل للسوق فهي التي تحافظ على ثقة المستهلك وتمنع الإغراق بالسلع الرديئة وتضمن عدالة المنافسة حتى في أحلك الظروف ومن دونها يتحول السوق إلى غابة بلا قانون ويصبح المنتج الجاد ضحية والمستهلك فريسة والدولة متفرجًا على اقتصاد ينزف بلا ضوابط ولا كوابح.
ولا يتوقف دور المواصفات عند حدود حماية المستهلك فحسب بل يمتد ليشمل حماية المنتج الوطني وتشجيع الالتزام بالجودة ومنع تشويه سمعة السوق المحلي داخليًا وخارجيًا فالدولة التي تفقد معاييرها تفقد تلقائيًا قدرتها على التصدير وعلى جذب الشراكات وعلى بناء اقتصاد قادر على التعافي بعد الحرب
وفي زمن الحرب تكتسب المواصفات والمقاييس بعدًا سياديًا لا يقل أهمية عن بعدها الاقتصادي فحماية المنتج الوطني وضمان مطابقته للمعايير تعني حماية العملة والموارد والقدرة على الصمود كما أن استمرار الالتزام بالمواصفات رغم شح الإمكانيات يبعث برسالة قوة مفادها أن الدولة مهما اشتدت عليها الأزمات لا تساوم على صحة شعبها ولا على نزاهة سوقها ولا على الحد الأدنى من العدالة الاقتصادية
ولئن واجهت هذه المنظومة تحديات قاسية في ظل النزاعات من نقص الموار إلى صعوبة الرقابة إلى الضغط المتزايد على الكوادر وتشتت البنى المؤسسيةفإن صمودها واستمرارها في أداء دورها يمثل أحد أشكال المقاومة الاقتصادية التي لا تُرفع فيها البنادق بل تُرفع فيها المعايير ويُدافع فيها عن الوطن بلغة الجودة والانضباط والمسؤولية
*فاصلة*
إن الإشادة بالمواصفات والمقاييس في زمن الحرب ليست مجاملة مؤسسية ولا خطابًا دعائيً بل اعتراف بدور حيوي غالبًا ما يُغفل في خضم ضجيج السياسة والمعارك فهي التي تحرس رغيف الخبز ودواء المريض وسلامة البناء وجودة الوقود وتحول دون أن تتحول الأزمة إلى فوضى قاتلة يدفع ثمنها الضعفاء
خلاصة القول:
المواصفات والمقاييس في زمن الأزمات ليست مجرد جهة فنية بل مؤسسة سيادية بامتياز تقاتل على جبهة الاقتصاد وتحمي ظهر المجتمع وتؤكد أن الدولة التي تحافظ على معاييرها في زمن الحرب قادرة على النهوض بقوة حين يحل السلام.
اللهم آمِنّا في أوطاننا.

