بين مطرقة العودة وسندان المراكز الخارجية : من يدير ملف التعليم العالي في السودان؟ : محطات ذهبية : أبوبكر معتصم محمد

تشهد مؤسسات التعليم العالي في السودان مرحلة حرجة ومفصلية في تاريخها تتجاذبها قرارات استراتيجية وتحديات واقعية معقدة فبين جهود جبارة تبذلـها وزارة التعليم العالي لإعادة توطين الجامعات في مقارها الرئيسية وقرارات حكومية مفاجئة بفتح المراكز الخارجية تتكشف أزمة حقيقية في التنسيق وصناعة القرار مما يضع مستقبل آلاف الطلاب واستقرار المؤسسات الأكاديمية على المحك
ففي خطوة جريئة تهدف إلى إعادة الحياة الأكاديمية إلى طبيعتها أصدر وزير التعليم العالي والبحث العلمي قراراً يقضي بعودة كافة مؤسسات التعليم العالي إلى مقراتها الرئيسية وإغلاق المراكز الخارجية وقد واجه هذا القرار تعاطياً إيجابياً ومسؤولاً تمثل في
الاستجابة الفورية حيث عدلت الجامعات السودانية خططها التشغيلية بلا تردد و بذلت إدارات الجامعات طاقات استثنائية لتحسين البيئة الجامعية واستقبال الطلاب رغم قسوة الظروف و عاد الطلاب إلى قاعات الدرس وعقدت الامتحانات مع الالتزام التام بملحق القرار الذي يضمن حفظ حقوق الطلاب الذين تعذرت عودتهم بسبب مخلفات الحرب وظروفها القاسية لحين زوال أسبابها
في خضم هذه المعركة القاسية التي تخوضها الجامعات لإعادة التأهيل الكامل وتوفير أبسط مقومات الاستقرار للأساتذة والعاملين طالعنا قرار صادر عن رئاسة مجلس الوزراء يقضي بإعادة فتح المراكز الخارجية للجامعات
لا شك أن هذا القرار قد يكون نابعاً من دوافع إنسانية تعاطفاً مع الطلاب الذين لم تسمح لهم ظروف الحرب بالعودة لأرض الوطن غير أن الواقع الإداري والمالي يطرح تساؤلات مشروعة لا تحتمل التأجيل هل سبق القرار بدراسة دقيقة لأعداد الطلاب المعنيين واحتياجاتهم الفعلية؟
و هل جرى التنسيق والتشاور مع وزارة التعليم العالي ومديري الجامعات بشأن الميزانيات الهائلة التي تتطلبها عملية إعادة فتح هذه المراكز؟
و هل تم تقدير قدرة الجامعات المالية على تحمل هذه الأعباء أم سيتم إسقاط تكلفتها على كاهل الطلاب وأسرهم؟
فالجامعات تعاني في الوقت الراهن من ارتفاع باهظ في كلفة التشغيل وضعف حاد في تحصيل الرسوم الدراسية التي لا تقارن أصلاً بالتكلفة الفعلية لمتطلبات العملية التعليمية من صيانة القاعات وتجهيز المعامل وتمويل الرحلات العلمية
إن إقامة الامتحانات في المراكز الخارجية لا يمثل مجرد إجراء إداري بسيط بل يستوجب تكاليف باهظة تشمل
ابتعاث لجان امتحانات متكاملة تضم أساتذة وإداريين و استئجار قاعات ومقار لامتحانات تناسب المعايير الأكاديمية بما يزيد الأعباء المادية الملقاة على عاتق مؤسسات تعاني بالأصل من عثرات التمويل
إن معالجة هذا الملف الحساس كانت تقتضي منهجية إدارية أكثر تكاملاً فكان الأوجب أن يقوم رئيس الوزراء بزيارات ميدانية برفقة وزير التعليم العالي إلى الجامعات للوقوف عن قرب على الاحتياجات الحقيقية ومشاركتها في الوصول إلى أفضل السبل لدعم البنية التحتية ووسائل التدريس
كما كان الأجدر أن تصدر مثل هذه القرارات الهيكلية حصرياً عبر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تفادياً لأي خلط في التكاليف والمهام وحتى لا يفسر هذا التباين على أنه تقاطع أو خلاف بين الوزارة ومجلس الوزراء في إدارة قطاع استراتيجي ومصيري كالتعليم العالي وفي هذا السياق حسناً فعلت الوزارة والجهات الأكاديمية بفتح نوافذ بديلة ومرنة عبر إجازة نظام التعليم المدمج وهو نظام فاعل يوفر المرونة اللازمة للطلاب دون الإخلال بالمعايير الأكاديمية
كما تقتضي معالجة هذا التقاطع الإداري تفعيل دور المجلس القومي للتعليم العالي ليكون المرجعية العليا في تنسيق السياسات و الالتزام الصارم باللوائح المنظمة لعمل المراكز الخارجية والقوانين المعمول بها في الدول المضيفة و التأكيد بحزم على معايير الجودة الأكاديمية والتدريبية بما يشمل فاعلية مواعين التدريب (من معامل مستشفيات وورش ومكتبات) حتى لا يتحول التعليم العالي إلى ساحة لتضارب الاختصاصات



