الراي

وجه الحقيقة : د. إبراهيم شقلاوي : الغلاء.. أزمة سوق أم أزمة دولة؟

حين يصبح الرغيف مهددًا، والخضروات المستوردة أرخص من المنتجة محليًا، والعملة تتآكل كل يوم، فإن الغلاء ذلك يكشف خللًا في السياسات التي يفترض أن تحمي الإنتاج وتضبط الأسعار وتصون معاش الناس.

لذلك يجب أن تتقدم حكومة كامل إدريس إلى المساءلة ،أين خطتها لاحتواء التضخم؟ وأين سياساتها لخفض تكاليف الإنتاج، وأين هي من معاناة الناس، وكبح الاحتكار، واستعادة الثقة في الجنيه؟ الحرب تفسر جانبًا من الأزمة، لكنها لا تمنح الحكومة حصانة من المحاسبة، ولا تجعل غياب الحلول قدرًا لا يمكن تغييره.

في وادي حلفا هذا الأسبوع، تكشف أسعار بعض السلع مفارقة تستحق المساءلة، إذ يبلغ سعر كيلو الطماطم المصري نحو عشرة آلاف جنيه مقابل ثلاثين ألفًا للمحلي، والبطاطس المصرية خمسة آلاف مقابل ثمانية آلاف للمحلية، والليمون المصري عشرة آلاف مقابل ثلاثين ألفًا للمحلي. ومع مراعاة مزايا الجودة وتكاليف النقل وتوقيت الأسعار، يبقى السؤال: كيف تصل السلعة المستوردة إلى المستهلك بسعر يقل كثيرًا عن نظيرتها المنتجة في الداخل؟ أهي كلفة الإنتاج، أم تعدد الرسوم والجبايات، أم اختلال سلاسل التوزيع، أم ممارسات تتيح رفع الأسعار على حساب المنتج والمستهلك؟

وتبلغ الأزمة مستوى أكثر خطورة عند رغيف الخبز، الذي يمثل أساسًا يوميًا لملايين الأسر. فإذا كانت القطعتان تُباعان اليوم بألف جنيه، فإن استمرار تدهور الجنيه وارتفاع تكاليف الدقيق والطاقة والترحيل، في ظل غياب الرقابة والسياسات المحفزة، قد يدفع سعر القطعة الواحدة إلى ألف جنيه قبل نهاية العام. وهذا احتمال مشروط باستمرار الاختلالات، لكنه ينذر بمضاعفة العبء على الأسر محدودة الدخل. وحين يصبح الخبز مهددًا بهذا المستوى من التكلفة، فإن القضية تتجاوز المخابز إلى الأمن الغذائي ومسؤولية الدولة عن حماية المواطنين من اتساع دائرة الفقر.

لا يمكن إنكار أن الحرب منذ أبريل 2023 أضرت بالإنتاج والتجارة وسلاسل الإمداد، وأضعفت قيمة العملة ووسعت الاعتماد على الاستيراد. لكن آثار الحرب لا يعني منح الحكومة إعفاءً مفتوحًا من المسؤولية. فالحرب تفسر جانبًا من الأزمة، لكنها لا تبرر غياب الاستجابة أو تأخر ترتيب الأولويات. وحكومة كامل إدريس مطالبة اليوم بأن تثبت قدرتها على إدارة الموارد المتاحة وتخفيف أعباء الأزمة للخبز والوقود وكافة السلع، لا أن تكتفي بتفسير أسبابها بينما تتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

ولعل الذاكرة الشعبية تستحضر محمد يوسف أبو حريرة، وزير التجارة في الديمقراطية الثالثة، وعبارة “التسعيرة يا أبو حريرة” ، التي بقيت رمزية جادة لتدخل الدولة لحماية المستهلك. ليست العبرة في استنساخ تجربة تقدر بقدرها بل في استعادة جوهر المسؤولية العامة، سوق تنافسي لا يحتكره الأقوياء النافذين، ومنتج لا تسحقه التكاليف، ومستهلك لا يُترك رهينة للوسطاء والمضاربات. فالحرية الاقتصادية لا تعني غياب الدولة، والرقابة لا تعني خنق السوق ،المطلوب قواعد عادلة تطبق على الجميع.

المطلوب الآن خطة تنفيذية جادة. تبدأ بغرفة عمليات مشتركة تضم الوزارات والجهات الاقتصادية المعنية وبنك السودان والولايات، ترصد أسعار السلع الأساسية وتكاليف إنتاجها ونقلها، وتنشر بيانات أسبوعية تكشف أسباب الزيادة. وتشمل مراجعة الرسوم والجبايات التي ترفع كلفة السلع، ومكافحة الاحتكار والتلاعب بالفواتير، وفتح قنوات لشكاوى المواطنين وإعلان نتائج معالجتها. وفي ملف الخبز، ينبغي تأمين الدقيق والوقود ومدخلات الإنتاج ومراجعة التكلفة والوزن والجودة والأسعار بشفافية، مع دعم محدد يصل إلى الأسر المستحقة إذا اقتضت الضرورة.

ولا يمكن ضبط السوق دون استعادة الإنتاج. لذلك ينبغي تمويل الموسم الزراعي، وتوفير التقاوي والأسمدة والري المستقر والطاقة، وتأهيل طرق النقل والتخزين، وإزالة الرسوم المتعددة على انتقال المنتجات بين الولايات. كما يتطلب الأمر تنسيق السياسة المالية والنقدية للحد من التضخم ومعالجة تدهور الجنيه وآثاره علي المزارع. ويمكن بحث التبادل التجاري مع مصر بالعملات المحلية أو عبر المقايضة، بشرط توازن المنافع وضمان انتقال أثره إلى المستهلك، لا أن يستفيد منه الموردون والوسطاء. ويجب ربط هذه الإجراءات بجدول زمني ومؤشرات شهرية معلنة لأسعار الغذاء وتوافر السلع وحجم الإنتاج، حتى تصبح النتائج أساسًا للمحاسبة.

وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن الغلاء يصبح أزمة دولة حين تتراجع قدرة الناس على تأمين احتياجاتهم، بينما لا ترتقي السياسات إلى مستوى الخطر. مسؤولية حكومة كامل إدريس ليست إقناع السودانيين بأن الأزمة معقدة، بل تفكيك أسبابها وإظهار نتائج ملموسة في الأسواق. فالدولة التي لا تحمي الإنتاج، ولا تضبط الاختلالات، ولا تصون الحد الأدنى من الغذاء، تترك مواطنيها في مواجهة السوق بلا سند. وحين يصبح الرغيف مقياسًا لقدرة الأسرة على الصمود، فإن فاتورة الغلاء لا تُدفع من جيوب المواطنين وحدها، بل من رصيد الثقة في الدولة واستقرار المجتمع ومستقبل البلاد.

دمتم بخير وعافية

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى