حوارات حول الأفكار(266) في : د. حيدر معتصم مدني : مركز الخرطوم للحوار : قبل أن نتحاور في السياسة علينا أن نتفق على الدولة

(8)
حين يصبح المجتمع حارسًا لما أسسه
من المجتمع المؤسس إلى المجتمع الحارس
ماذا يحدث بعد أن ينجح الحوار؟
ماذا يحدث بعد أن يتوافق المجتمع على شروط وجوده المشترك، ويصوغ عقده الاجتماعي، ويأتي الدستور معبرًا عن ذلك العقد، ويقوم القانون، وتتأسس الدولة، وتبدأ السياسة؟
هل تنتهي وظيفة المجتمع عند هذه اللحظة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإننا ربما نكون قد وضعنا بذور الأزمة القادمة في قلب نجاحنا نفسه.
لأن المجتمع الذي يستعيد حقه في تأسيس الدولة ثم ينسحب منها بعد قيامها، يترك فراغًا ستملؤه، عاجلًا أو آجلًا، السلطة أو الأحزاب أو الأيديولوجيات أو البيروقراطية أو القوة المسلحة.
وعندها تبدأ الدولة، ببطء، في الانفصال عن صاحبها.
ولهذا فإن السؤال الأخير في الحوار الذي يسبق الدولة ليس:
كيف نؤسس الدولة؟
بل:
من يحرس الدولة بعد أن تتأسس؟
والإجابة تعيدنا إلى حيث بدأنا:
المجتمع.
*التأسيس ليس لحظة* *وتنتهي*
من السهل أن نتصور التأسيس بوصفه حدثًا تاريخيًا.
يجتمع الناس.
يتحاورون.
يتوافقون.
يكتبون وثيقة.
يضعون دستورًا.
ثم تبدأ الدولة.
لكن التأسيس، في معناه الأعمق، ليس مجرد لحظة تقع في الماضي.
إنه مرجعية مستمرة تحدد العلاقة بين المجتمع والدولة والسلطة والحكومة.
فإذا كان المجتمع هو الذي منح الدولة شرعيتها التأسيسية، فلا يمكن أن يتحول بعد ذلك إلى مجرد جمهور ينتظر ما تقرره السلطة.
وإذا كان العقد الاجتماعي هو المرجعية التي سبقت الدستور، فلا ينبغي أن يصبح بعد كتابة الدستور وثيقة تاريخية لا وظيفة لها.
وإذا كانت الحكومة مجرد تفويض مؤقت، فلا يجوز أن تتحول مع مرور الزمن إلى صاحبة الحق في تعريف حدود تفويضها بنفسها.
ولهذا يحتاج التأسيس إلى حارس.
*من يحرس الحارس؟*
الدولة تحتاج إلى مؤسسات تحرس القانون.
والدستور يحتاج إلى مؤسسات تحميه.
والمال العام يحتاج إلى أجهزة رقابة.
والحقوق تحتاج إلى قضاء.
والحدود تحتاج إلى جيش.
والأمن يحتاج إلى مؤسسات مختصة.
لكن السؤال الأعمق هو:
من يحرس المنظومة كلها من أن تنقلب وظائفها على أصولها؟
من يراقب ألا تتحول الحكومة إلى الدولة؟
وألا تتحول الأغلبية إلى المجتمع؟
وألا يتحول الحزب إلى وطن؟
وألا تتحول الأيديولوجيا إلى هوية قومية ملزمة؟
وألا تتحول المؤسسة العسكرية من حامية للدولة إلى مالكة لها؟
وألا تتحول المؤسسات المدنية نفسها إلى امتدادات للأحزاب التي يفترض أن تراقبها؟
هنا لا تكفي مؤسسة واحدة.
لأننا أمام وظيفة مجتمعية.
ومن هنا يظهر مفهوم:
المجتمع الحارس.
المجتمع الحارس لا يحكم
لكن يجب أن نحدد المفهوم منذ البداية حتى لا ننتج سلطة موازية باسم المجتمع.
المجتمع الحارس ليس حكومة أخرى.
ولا برلمانًا موازيًا.
ولا حزبًا كبيرًا يزعم تمثيل الجميع.
ولا مجلسًا أعلى يقف فوق مؤسسات الدولة.
ولا قوة تملك حق تعطيل الدولة كلما اختلفت معها.
فإذا فعل ذلك، انتقل هو نفسه من الحراسة إلى الصراع على السلطة.
وظيفته مختلفة.
إنه يحرس القواعد التي تجعل الوظائف منفصلة.
يحرس أن تبقى الحكومة حكومة.
وأن تبقى الدولة دولة.
وأن يبقى الجيش جيشًا.
وأن تبقى الأحزاب أحزابًا.
وأن تبقى المؤسسات المجتمعية مستقلة عن التنافس الحزبي.
وأن يبقى الوطن أوسع من الجميع.
المجتمع الحارس، بهذا المعنى، لا ينافس الدولة.
إنه يحرس ألا يستولي أحد على الدولة.
*المؤسسات التي تجعل المجتمع حاضرًا*
لكن المجتمع مفهوم واسع.
فكيف يحرس؟
لا يستطيع ملايين الناس أن يجتمعوا كل صباح لمراقبة الدولة.
ولهذا فإن الانتقال من الشعب إلى المجتمع يقتضي انتقالًا من الكتلة البشرية إلى التنظيم المجتمعي.
فالأسرة لها بنيتها.
والقرية لها تنظيمها.
والحي يستطيع أن ينظم مصالحه.
والمهنة تستطيع أن تنتج مؤسساتها.
والجامعة لها مجتمعها.
والقطاع الاقتصادي له مؤسساته.
والنقابات والروابط والجمعيات والإدارات الأهلية والمبادرات المحلية والمؤسسات الفكرية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني كلها تستطيع أن تشكل شبكة واسعة من الحضور المجتمعي.
لكن بشرط حاسم:
أن تستعيد هذه المؤسسات وظيفتها المجتمعية، وألا تتحول إلى واجهات للصراع الأيديولوجي والحزبي.
فلا يمكن لمؤسسة أن تحرس المجال السياسي إذا أصبحت جزءًا عضويًا من أحد أطرافه.
ولا يمكن أن تراقب السلطة وهي تسعى إلى الوصول إليها.
ولا يمكن للمجتمع أن يستعيد استقلاله إذا كانت مؤسساته نفسها موزعة بين معسكرات النخب.
ومن هنا فإن تحرير المجتمع من الهيمنة السياسية ليس عداءً للسياسة.
إنه شرط لقيام السياسة السليمة.
*المجتمع والدولة ليسا شيئًا* *واحدًا*
إحدى المشكلات المفاهيمية العميقة أن الدولة كثيرًا ما تُتصور باعتبارها التعبير الكامل عن المجتمع.
لكن الدولة والمجتمع ليسا شيئًا واحدًا.
الدولة مؤسسة سيادية وقانونية.
أما المجتمع فهو المجال الإنساني الأوسع الذي تنشأ الدولة لخدمته وتنظيم حياته المشتركة.
الدولة تحتاج إلى سلطة.
أما المجتمع فيحتاج إلى قدرة على مراقبة السلطة.
الدولة تحتاج إلى مؤسسات إلزام.
أما المجتمع فيحتاج إلى مؤسسات مستقلة تستطيع مساءلة من يمارس الإلزام.
ولهذا فإن قوة المجتمع لا تعني ضعف الدولة.
كما أن قوة الدولة لا ينبغي أن تعني إضعاف المجتمع.
الدولة القوية والمجتمع القوي ليسا نقيضين.
بل ربما كان المجتمع الواعي المنظم أحد أهم شروط الدولة القوية المستقرة.
لأن الدولة التي لا يحرسها إلا من يحكمونها تصبح رهينة أخلاق الحكام.
أما الدولة التي يحرسها مجتمع يعرف حقوقه وحدود مؤسساته، فإنها تصبح أقل اعتمادًا على صلاح الأشخاص وأكثر اعتمادًا على سلامة البناء.
*الحراسة تبدأ بحراسة* *ال*حوارات حول الأفكار(266)*
د. حيدر معتصم مدني
مركز الخرطوم للحوار
*قبل أن نتحاور في السياسة* .. *علينا أن نتفق على الدولة*
(8)
*حين يصبح المجتمع حارسًا* *لما أسسه*..
*من المجتمع المؤسس إلى* *المجتمع الحارس*
ماذا يحدث بعد أن ينجح الحوار؟
ماذا يحدث بعد أن يتوافق المجتمع على شروط وجوده المشترك، ويصوغ عقده الاجتماعي، ويأتي الدستور معبرًا عن ذلك العقد، ويقوم القانون، وتتأسس الدولة، وتبدأ السياسة؟
هل تنتهي وظيفة المجتمع عند هذه اللحظة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإننا ربما نكون قد وضعنا بذور الأزمة القادمة في قلب نجاحنا نفسه.
لأن المجتمع الذي يستعيد حقه في تأسيس الدولة ثم ينسحب منها بعد قيامها، يترك فراغًا ستملؤه، عاجلًا أو آجلًا، السلطة أو الأحزاب أو الأيديولوجيات أو البيروقراطية أو القوة المسلحة.
وعندها تبدأ الدولة، ببطء، في الانفصال عن صاحبها.
ولهذا فإن السؤال الأخير في الحوار الذي يسبق الدولة ليس:
كيف نؤسس الدولة؟
بل:
من يحرس الدولة بعد أن تتأسس؟
والإجابة تعيدنا إلى حيث بدأنا:
المجتمع.
*التأسيس ليس لحظة* *وتنتهي*
من السهل أن نتصور التأسيس بوصفه حدثًا تاريخيًا.
يجتمع الناس.
يتحاورون.
يتوافقون.
يكتبون وثيقة.
يضعون دستورًا.
ثم تبدأ الدولة.
لكن التأسيس، في معناه الأعمق، ليس مجرد لحظة تقع في الماضي.
إنه مرجعية مستمرة تحدد العلاقة بين المجتمع والدولة والسلطة والحكومة.
فإذا كان المجتمع هو الذي منح الدولة شرعيتها التأسيسية، فلا يمكن أن يتحول بعد ذلك إلى مجرد جمهور ينتظر ما تقرره السلطة.
وإذا كان العقد الاجتماعي هو المرجعية التي سبقت الدستور، فلا ينبغي أن يصبح بعد كتابة الدستور وثيقة تاريخية لا وظيفة لها.
وإذا كانت الحكومة مجرد تفويض مؤقت، فلا يجوز أن تتحول مع مرور الزمن إلى صاحبة الحق في تعريف حدود تفويضها بنفسها.
ولهذا يحتاج التأسيس إلى حارس.
*من يحرس الحارس؟*
الدولة تحتاج إلى مؤسسات تحرس القانون.
والدستور يحتاج إلى مؤسسات تحميه.
والمال العام يحتاج إلى أجهزة رقابة.
والحقوق تحتاج إلى قضاء.
والحدود تحتاج إلى جيش.
والأمن يحتاج إلى مؤسسات مختصة.
لكن السؤال الأعمق هو:
من يحرس المنظومة كلها من أن تنقلب وظائفها على أصولها؟
من يراقب ألا تتحول الحكومة إلى الدولة؟
وألا تتحول الأغلبية إلى المجتمع؟
وألا يتحول الحزب إلى وطن؟
وألا تتحول الأيديولوجيا إلى هوية قومية ملزمة؟
وألا تتحول المؤسسة العسكرية من حامية للدولة إلى مالكة لها؟
وألا تتحول المؤسسات المدنية نفسها إلى امتدادات للأحزاب التي يفترض أن تراقبها؟
هنا لا تكفي مؤسسة واحدة.
لأننا أمام وظيفة مجتمعية.
ومن هنا يظهر مفهوم:
المجتمع الحارس.
المجتمع الحارس لا يحكم
لكن يجب أن نحدد المفهوم منذ البداية حتى لا ننتج سلطة موازية باسم المجتمع.
المجتمع الحارس ليس حكومة أخرى.
ولا برلمانًا موازيًا.
ولا حزبًا كبيرًا يزعم تمثيل الجميع.
ولا مجلسًا أعلى يقف فوق مؤسسات الدولة.
ولا قوة تملك حق تعطيل الدولة كلما اختلفت معها.
فإذا فعل ذلك، انتقل هو نفسه من الحراسة إلى الصراع على السلطة.
وظيفته مختلفة.
إنه يحرس القواعد التي تجعل الوظائف منفصلة.
يحرس أن تبقى الحكومة حكومة.
وأن تبقى الدولة دولة.
وأن يبقى الجيش جيشًا.
وأن تبقى الأحزاب أحزابًا.
وأن تبقى المؤسسات المجتمعية مستقلة عن التنافس الحزبي.
وأن يبقى الوطن أوسع من الجميع.
المجتمع الحارس، بهذا المعنى، لا ينافس الدولة.
إنه يحرس ألا يستولي أحد على الدولة.
*المؤسسات التي تجعل المجتمع حاضرًا*
لكن المجتمع مفهوم واسع.
فكيف يحرس؟
لا يستطيع ملايين الناس أن يجتمعوا كل صباح لمراقبة الدولة.
ولهذا فإن الانتقال من الشعب إلى المجتمع يقتضي انتقالًا من الكتلة البشرية إلى التنظيم المجتمعي.
فالأسرة لها بنيتها.
والقرية لها تنظيمها.
والحي يستطيع أن ينظم مصالحه.
والمهنة تستطيع أن تنتج مؤسساتها.
والجامعة لها مجتمعها.
والقطاع الاقتصادي له مؤسساته.
والنقابات والروابط والجمعيات والإدارات الأهلية والمبادرات المحلية والمؤسسات الفكرية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني كلها تستطيع أن تشكل شبكة واسعة من الحضور المجتمعي.
لكن بشرط حاسم:
أن تستعيد هذه المؤسسات وظيفتها المجتمعية، وألا تتحول إلى واجهات للصراع الأيديولوجي والحزبي.
فلا يمكن لمؤسسة أن تحرس المجال السياسي إذا أصبحت جزءًا عضويًا من أحد أطرافه.
ولا يمكن أن تراقب السلطة وهي تسعى إلى الوصول إليها.
ولا يمكن للمجتمع أن يستعيد استقلاله إذا كانت مؤسساته نفسها موزعة بين معسكرات النخب.
ومن هنا فإن تحرير المجتمع من الهيمنة السياسية ليس عداءً للسياسة.
إنه شرط لقيام السياسة السليمة.
*المجتمع والدولة ليسا شيئًا* *واحدًا*
إحدى المشكلات المفاهيمية العميقة أن الدولة كثيرًا ما تُتصور باعتبارها التعبير الكامل عن المجتمع.
لكن الدولة والمجتمع ليسا شيئًا واحدًا.
الدولة مؤسسة سيادية وقانونية.
أما المجتمع فهو المجال الإنساني الأوسع الذي تنشأ الدولة لخدمته وتنظيم حياته المشتركة.
الدولة تحتاج إلى سلطة.
أما المجتمع فيحتاج إلى قدرة على مراقبة السلطة.
الدولة تحتاج إلى مؤسسات إلزام.
أما المجتمع فيحتاج إلى مؤسسات مستقلة تستطيع مساءلة من يمارس الإلزام.
ولهذا فإن قوة المجتمع لا تعني ضعف الدولة.
كما أن قوة الدولة لا ينبغي أن تعني إضعاف المجتمع.
الدولة القوية والمجتمع القوي ليسا نقيضين.
بل ربما كان المجتمع الواعي المنظم أحد أهم شروط الدولة القوية المستقرة.
لأن الدولة التي لا يحرسها إلا من يحكمونها تصبح رهينة أخلاق الحكام.
أما الدولة التي يحرسها مجتمع يعرف حقوقه وحدود مؤسساته، فإنها تصبح أقل اعتمادًا على صلاح الأشخاص وأكثر اعتمادًا على سلامة البناء.
*الحراسة تبدأ بحراسة* *المعاني*
لكن أخطر ما يحتاج إلى الحراسة ليس المباني ولا المؤسسات.
إنها المفاهيم.
فانهيار الدولة يبدأ أحيانًا قبل انهيار مؤسساتها.
يبدأ عندما تتغير معاني الكلمات.
حين تصبح الحكومة هي الدولة.
وحين تصبح معارضة الحكومة معارضة للوطن.
وحين يصبح الحزب ممثلًا للشعب كله.
وحين تصبح الثورة ملكية سياسية لجماعة.
وحين يصبح الجيش مالكًا للدولة لأنه يحميها.
وحين تصبح الأغلبية مالكة للحقيقة الوطنية لأنها فازت بالانتخابات.
وحين تتحول الهوية من عقد جامع إلى أداة للصراع الأيديولوجي.
عندها يبدأ الانقلاب المفاهيمي الذي يسبق الانقلاب المؤسسي.
ولهذا فإن المجتمع الحارس لا يحرس المؤسسات فقط.
إنه يحرس المعاني التي تأسست عليها المؤسسات.
يحرس معنى الوطن.
ومعنى الدولة.
ومعنى الحكومة.
ومعنى السلطة.
ومعنى المواطنة.
ومعنى الشرعية.
ومعنى التفويض.
ومعنى الاختلاف.
ومعنى السياسة نفسها.
*المجتمع الحارس والذاكرة* *التأسيسية*
لكل دولة لحظة تتشكل فيها ذاكرتها التأسيسية.
لكن الخطر يبدأ عندما تنسى الأجيال التالية لماذا وُضعت القواعد أصلًا.
قد يبقى الدستور بينما يضيع المعنى الذي أنتجه.
وقد تبقى المؤسسات بينما تتغير وظائفها.
وقد تبقى الانتخابات بينما تتحول إلى وسيلة للهيمنة.
ولهذا فإن المجتمع الحارس هو أيضًا حارس الذاكرة التأسيسية.
ينقل من جيل إلى جيل أن الدولة لم تكن منحة من حزب.
ولا من جيش.
ولا من زعيم.
ولا من ثورة.
ولا من نخبة.
وإنما كانت نتيجة توافق مجتمع على شروط وجوده المشترك.
وهذه الذاكرة ليست مادة للاحتفال فقط.
إنها أداة مقاومة لأي محاولة مستقبلية لاحتكار الدولة.
فحين يعرف الجيل الجديد كيف تأسست دولته، يصبح أكثر قدرة على معرفة متى تنحرف.
*الحراسة ليست احتجاجًا* *دائمًا*
وهنا ينبغي أن نميز بين المجتمع الحارس ومجتمع الاحتجاج الدائم.
فالحراسة لا تعني أن يقف المجتمع في حالة مواجهة مستمرة مع الدولة.
ولا أن تصبح الشوارع البديل الدائم للمؤسسات.
ولا أن تتحول الثورة إلى آلية طبيعية لإدارة الخلاف السياسي.
إذا احتاج المجتمع في كل مرة إلى إسقاط النظام لكي يصحح مسار الدولة، فذلك يعني أن أدوات الحراسة المؤسسية لم تكتمل بعد.
المجتمع الحارس لا ينتظر الانهيار حتى يتحرك.
إنه يعمل قبل ذلك.
بالمعرفة.
وبالرقابة.
وبالإعلام الحر.
وبالبحث.
وبالتنظيم المهني.
وبالمؤسسات المدنية والأهلية.
وبالمساءلة القانونية.
وبالمشاركة المحلية.
وبإنتاج المعرفة والسياسات والبدائل.
وبتربية الأجيال على معنى المواطنة وملكية المجتمع للدولة.
إنه يحول الحراسة من رد فعل بعد الأزمة إلى قدرة تمنع إنتاج الأزمة أصلًا.
من الاحتجاج إلى القدرة
وهنا تلتقي فكرة المجتمع الحارس بمسار:
الإدراك → الفهم → الوعي → القدرة.
فالمجتمع الذي لا يدرك موقعه لا يستطيع الحراسة.
والمجتمع الذي يدرك المشكلة ولا يفهمها قد يحتج عليها دون أن يستطيع تغيير بنيتها.
والمجتمع الذي يفهمها ويعي علاقاتها يستطيع أن ينتقل إلى مستوى أعلى:
القدرة.
والقدرة هنا ليست امتلاك السلاح.
وليست امتلاك السلطة.
إنها قدرة المجتمع على التنظيم، وإنتاج المعرفة، وتحديد مصالحه، ومراقبة الدولة، وتصحيح الانحراف، وإنتاج البدائل، وحماية العقد الذي أسس عليه دولته.
وهنا يتحول المواطن من متلقٍ لقرارات الدولة إلى شريك في حراسة شروط وجودها.
*المجتمع الذي لا يحرس* *دولته سيحرسها غيره*
هناك حقيقة قاسية في تاريخ الدول:
الفراغ لا يبقى فراغًا.
إذا انسحب المجتمع من المجال العام، ستملؤه جهة أخرى.
قد يملؤه الحزب.
وقد تملؤه المؤسسة العسكرية.
وقد تملؤه القبيلة.
وقد تملؤه الأيديولوجيا.
وقد يملؤه رأس المال.
وقد تملؤه قوى خارجية.
وحين يكون المجتمع ضعيف التنظيم وضعيف الإدراك لمصالحه، يصبح اختراق الدولة أسهل.
ولهذا فإن المجتمع الحارس ليس فقط ضمانة للديمقراطية.
إنه أيضًا جزء من الأمن القومي.
فالدولة التي لا يمتلك مجتمعها وعيًا بمصالحه الوطنية تصبح أكثر قابلية لأن تتحول صراعات الخارج إلى اصطفافات داخلية.
أما المجتمع الذي يعرف ما يريد، ويملك مؤسساته، ويميز بين الوطن والأيديولوجيا، وبين المصلحة الوطنية ومصالح القوى الخارجية، فإنه يرفع تكلفة الاختراق.
وهكذا تصبح السيادة وظيفة لا تحرسها الحدود وحدها.
تحرسها أيضًا قدرة المجتمع على معرفة أين تقع مصلحته الوطنية.
*من المجتمع المؤسس إلى* *المجتمع الحارس*
وهنا تكتمل الرحلة التي بدأناها في أول هذه السلسلة.
بدأنا بمجتمع غائب عن طاولة التأسيس.
فاستعادت المقالات السؤال:
لماذا نتحاور؟
ثم استعادت صاحب السؤال:
من يملك حق التأسيس؟
ثم حددت المخرج:
العقد الاجتماعي.
ثم ميزت بين الخلاف على الدولة والاختلاف داخلها.
وبين التهديد الوجودي والأمان الوطني.
وبين ما قبل السياسة والسياسة.
وبين ملكية المجتمع والتفويض السياسي.
والآن نصل إلى الحلقة الأخيرة:
المجتمع الذي يؤسس يجب أن يصبح المجتمع الذي يحرس.
وهكذا تصبح المعادلة:
مجتمع يدرك
→ مجتمع يتحاور
→ مجتمع يتوافق
→ مجتمع يتعاقد
→ دولة تتأسس
→ سياسة تتنافس
→ حكومة تدير
→ مجتمع يحرس.
لكن اللافت في هذه المعادلة أن المجتمع يظهر في طرفيها.
في البداية وفي النهاية.
وهذا ليس تكرارًا.
في البداية هو المجتمع المؤسس.
وفي النهاية هو المجتمع الحارس.
وبينهما توجد الدولة التي صنعها.
*الدولة بين المجتمعين*
يمكن، من هذه الزاوية، أن نعيد تصور الدولة كلها.
الدولة ليست قمة هرم يقف المجتمع تحته.
إنها بناء يقع بين وظيفتين للمجتمع:
التأسيس والحراسة.
المجتمع يؤسسها من أسفل.
ثم يحرسها من الخارج دون أن يحل محلها.
والسلطة تعمل داخلها.
والحكومة تديرها.
والأحزاب تتنافس على برامج الحكم.
والقانون يلزم الجميع.
والدستور ينظم البناء.
والعقد الاجتماعي يظل المرجعية التي تمنح هذا كله معناه.
وعندها يستقيم الهرم:
المجتمع ليس رعية الدولة.
الدولة أداة المجتمع لتنظيم وجوده المشترك.
الحوار الذي لا ينتهي بانتهاء الحوار
وهنا نصل إلى المفارقة الأخيرة.
*الحوار الذي يسبق الدولة* *يجب أن ينتهي.*
لأن المجتمع لا يستطيع أن يبقى في حالة تأسيس دائم.
في لحظة ما يجب أن يتحول التوافق إلى عقد.
والعقد إلى دستور.
والدستور إلى قانون.
والقانون إلى مؤسسات.
ثم تبدأ السياسة.
لكن روح الحوار لا ينبغي أن تنتهي.
فالذي ينتهي هو الحوار التأسيسي بوصفه عملية لإنشاء الدولة.
أما قدرة المجتمع على الحوار مع نفسه، ومراجعة تجربته، واكتشاف تحولاته، وحماية مساحته المشتركة، فينبغي أن تصبح جزءًا من ثقافته الدائمة.
فالدولة لا تحتاج إلى إعادة تأسيس كل صباح.
لكنها تحتاج إلى مجتمع يتأكد كل صباح من أنها لم تنسَ لماذا تأسست.
من يحرس الدولة؟
نعود إذن إلى السؤال الذي بدأنا به:
*من يحرس الدولة؟*
القانون يحرسها.
والدستور يحرسها.
والقضاء يحرسها.
والجيش يحمي سيادتها.
والمؤسسات الرقابية تراقب أداءها.
لكن كل هذه المؤسسات، في النهاية، تحتاج إلى مجتمع يعرف لماذا توجد، وما حدودها، ومتى تنحرف عن وظائفها.
ولهذا فإن الحارس الأخير ليس شخصًا.
ولا حزبًا.
ولا مؤسسة واحدة.
إنه:
مجتمع واعٍ، منظم، مستقل، قادر.
مجتمع لا يريد أن يحكم بدل الحكومة.
ولا أن يحمل السلاح بدل الجيش.
ولا أن يشرع بدل البرلمان.
ولا أن يقضي بدل القضاء.
لكنه يرفض أن يستولي أي واحد من هؤلاء على وظيفة الآخر أو على الدولة كلها.
وهنا تتحقق المعادلة الأصعب:
دولة قوية لا تبتلع المجتمع، ومجتمع قوي لا يهدم الدولة.
حين تستقر الدولة في وعي المجتمع
ربما لا تكتمل الدولة حين ترتفع أعلامها، أو تُرسم حدودها، أو تُكتب دساتيرها، أو تُقام مؤسساتها.
ربما تكتمل بصورة أعمق عندما تستقر في وعي مجتمعها.
حين يعرف المواطن أن الحكومة ليست الدولة.
وأن معارضة الحاكم ليست خيانة للوطن.
وأن خسارة حزبه لا تعني خسارته لبلده.
وأن القبيلة انتماء اجتماعي لا سيادة موازية.
وأن الأيديولوجيا قيمة لا وطنًا بديلًا.
وأن الجيش يحمي الدولة ولا يملكها.
وأن الثورة لا تمنح أحدًا صكًا دائمًا للشرعية.
وأن الانتخابات تمنح تفويضًا ولا تمنح ملكية.
وأن الوطن سابق على كل هؤلاء.
عندها تصبح حراسة الدولة جزءًا من وعي المجتمع نفسه.
ولا تعود الدولة مجرد مؤسسات تحرس الناس.
بل تصبح أيضًا فكرة يحرسها الناس.
من الحوار الذي يسبق الدولة إلى المجتمع الذي يحرسها
وهكذا تنتهي رحلتنا من حيث بدأت.
قلنا في البداية إن المشكلة ليست أن السودانيين لم يتحاوروا.
لقد تحاوروا كثيرًا.
لكنهم غالبًا بدأوا الحوار من السياسة، بينما كان السؤال أسبق من السياسة.
وبحثوا عن الحكومة، بينما كانت المشكلة في الدولة.
وجمعوا النخب، بينما كان صاحب الحق التأسيسي غائبًا.
وكتبوا الدساتير، بينما كان العقد الاجتماعي لم يكتمل.
وتنافسوا على السلطة، بينما لم يُحسم بعد ما الذي تملكه السلطة وما الذي لا تملكه.
ولذلك كان لا بد من إعادة ترتيب الطريق:
المجتمع قبل الدولة.
التوافق قبل الدستور.
الدولة قبل السلطة.
والسلطة قبل الحكومة.
ثم اكتشفنا في نهاية الطريق أن هناك إضافة أخيرة لا تقل أهمية:
المجتمع بعد الحكومة أيضًا.
ليس مجتمعًا حاكمًا.
ولا مجتمعًا ثائرًا بصورة دائمة.
ولا مجتمعًا ينازع الدولة سيادتها.
بل:
مجتمعًا حارسًا.
فالحوار الذي يسبق الدولة لا يحقق غايته بمجرد أن ينتج دولة.
إنما يحقق غايته حين ينتج أيضًا مجتمعًا يعرف أنه هو الذي أسسها، ويعرف لماذا أسسها، ويملك الوعي والقدرة والمؤسسات التي تمنع أي طرف من امتلاكها من دونه.
وعندها فقط نكون قد انتقلنا من دولة تبحث عن مجتمع يحميها،
إلى:
مجتمع صنع دولته… ولذلك أصبح قادرًا على حراستها.معاني
لكن أخطر ما يحتاج إلى الحراسة ليس المباني ولا المؤسسات
إنها المفاهيم
فانهيار الدولة يبدأ أحيانًا قبل انهيار مؤسساتها
يبدأ عندما تتغير معاني الكلمات
حين تصبح الحكومة هي الدولة
وحين تصبح معارضة الحكومة معارضة للوطن
وحين يصبح الحزب ممثلًا للشعب كله.
وحين تصبح الثورة ملكية سياسية لجماعة.
وحين يصبح الجيش مالكًا للدولة لأنه يحميها
وحين تصبح الأغلبية مالكة للحقيقة الوطنية لأنها فازت بالانتخابات
وحين تتحول الهوية من عقد جامع إلى أداة للصراع الأيديولوجي
عندها يبدأ الانقلاب المفاهيمي الذي يسبق الانقلاب المؤسسي
ولهذا فإن المجتمع الحارس لا يحرس المؤسسات فقط
إنه يحرس المعاني التي تأسست عليها المؤسسات
يحرس معنى الوطن
ومعنى الدولة
ومعنى الحكومة
ومعنى السلطة
ومعنى المواطنة
ومعنى الشرعية
ومعنى التفويض
ومعنى الاختلاف
ومعنى السياسة نفسها.
• المجتمع الحارس والذاكرة التأسيسية
لكل دولة لحظة تتشكل فيها ذاكرتها التأسيسية.
لكن الخطر يبدأ عندما تنسى الأجيال التالية لماذا وُضعت القواعد أصلًا.
قد يبقى الدستور بينما يضيع المعنى الذي أنتجه.
وقد تبقى المؤسسات بينما تتغير وظائفها.
وقد تبقى الانتخابات بينما تتحول إلى وسيلة للهيمنة.
ولهذا فإن المجتمع الحارس هو أيضًا حارس الذاكرة التأسيسية.
ينقل من جيل إلى جيل أن الدولة لم تكن منحة من حزب.
ولا من جيش.
ولا من زعيم.
ولا من ثورة.
ولا من نخبة.
وإنما كانت نتيجة توافق مجتمع على شروط وجوده المشترك.
وهذه الذاكرة ليست مادة للاحتفال فقط.
إنها أداة مقاومة لأي محاولة مستقبلية لاحتكار الدولة.
فحين يعرف الجيل الجديد كيف تأسست دولته، يصبح أكثر قدرة على معرفة متى تنحرف.
*الحراسة ليست احتجاجًا* *دائمًا*
وهنا ينبغي أن نميز بين المجتمع الحارس ومجتمع الاحتجاج الدائم.
فالحراسة لا تعني أن يقف المجتمع في حالة مواجهة مستمرة مع الدولة.
ولا أن تصبح الشوارع البديل الدائم للمؤسسات.
ولا أن تتحول الثورة إلى آلية طبيعية لإدارة الخلاف السياسي.
إذا احتاج المجتمع في كل مرة إلى إسقاط النظام لكي يصحح مسار الدولة، فذلك يعني أن أدوات الحراسة المؤسسية لم تكتمل بعد.
المجتمع الحارس لا ينتظر الانهيار حتى يتحرك.
إنه يعمل قبل ذلك.
بالمعرفة.
وبالرقابة.
وبالإعلام الحر.
وبالبحث.
وبالتنظيم المهني.
وبالمؤسسات المدنية والأهلية.
وبالمساءلة القانونية.
وبالمشاركة المحلية.
وبإنتاج المعرفة والسياسات والبدائل.
وبتربية الأجيال على معنى المواطنة وملكية المجتمع للدولة.
إنه يحول الحراسة من رد فعل بعد الأزمة إلى قدرة تمنع إنتاج الأزمة أصلًا.
من الاحتجاج إلى القدرة
وهنا تلتقي فكرة المجتمع الحارس بمسار:
الإدراك → الفهم → الوعي → القدرة.
فالمجتمع الذي لا يدرك موقعه لا يستطيع الحراسة.
والمجتمع الذي يدرك المشكلة ولا يفهمها قد يحتج عليها دون أن يستطيع تغيير بنيتها.
والمجتمع الذي يفهمها ويعي علاقاتها يستطيع أن ينتقل إلى مستوى أعلى:
القدرة.
والقدرة هنا ليست امتلاك السلاح.
وليست امتلاك السلطة.
إنها قدرة المجتمع على التنظيم، وإنتاج المعرفة، وتحديد مصالحه، ومراقبة الدولة، وتصحيح الانحراف، وإنتاج البدائل، وحماية العقد الذي أسس عليه دولته.
وهنا يتحول المواطن من متلقٍ لقرارات الدولة إلى شريك في حراسة شروط وجودها.
*المجتمع الذي لا يحرس* *دولته سيحرسها غيره*
هناك حقيقة قاسية في تاريخ الدول:
الفراغ لا يبقى فراغًا.
إذا انسحب المجتمع من المجال العام، ستملؤه جهة أخرى.
قد يملؤه الحزب.
وقد تملؤه المؤسسة العسكرية.
وقد تملؤه القبيلة.
وقد تملؤه الأيديولوجيا.
وقد يملؤه رأس المال.
وقد تملؤه قوى خارجية.
وحين يكون المجتمع ضعيف التنظيم وضعيف الإدراك لمصالحه، يصبح اختراق الدولة أسهل.
ولهذا فإن المجتمع الحارس ليس فقط ضمانة للديمقراطية.
إنه أيضًا جزء من الأمن القومي.
فالدولة التي لا يمتلك مجتمعها وعيًا بمصالحه الوطنية تصبح أكثر قابلية لأن تتحول صراعات الخارج إلى اصطفافات داخلية.
أما المجتمع الذي يعرف ما يريد، ويملك مؤسساته، ويميز بين الوطن والأيديولوجيا، وبين المصلحة الوطنية ومصالح القوى الخارجية، فإنه يرفع تكلفة الاختراق.
وهكذا تصبح السيادة وظيفة لا تحرسها الحدود وحدها.
تحرسها أيضًا قدرة المجتمع على معرفة أين تقع مصلحته الوطنية.
• من المجتمع المؤسس إلى المجتمع الحارس
وهنا تكتمل الرحلة التي بدأناها في أول هذه السلسلة.
بدأنا بمجتمع غائب عن طاولة التأسيس.
فاستعادت المقالات السؤال:
لماذا نتحاور؟
ثم استعادت صاحب السؤال:
من يملك حق التأسيس؟
ثم حددت المخرج:
العقد الاجتماعي.
ثم ميزت بين الخلاف على الدولة والاختلاف داخلها.
وبين التهديد الوجودي والأمان الوطني.
وبين ما قبل السياسة والسياسة.
وبين ملكية المجتمع والتفويض السياسي.
والآن نصل إلى الحلقة الأخيرة:
المجتمع الذي يؤسس يجب أن يصبح المجتمع الذي يحرس.
وهكذا تصبح المعادلة:
مجتمع يدرك
→ مجتمع يتحاور
→ مجتمع يتوافق
→ مجتمع يتعاقد
→ دولة تتأسس
→ سياسة تتنافس
→ حكومة تدير
→ مجتمع يحرس.
لكن اللافت في هذه المعادلة أن المجتمع يظهر في طرفيها.
في البداية وفي النهاية.
وهذا ليس تكرارًا.
في البداية هو المجتمع المؤسس.
وفي النهاية هو المجتمع الحارس.
وبينهما توجد الدولة التي صنعها
• الدولة بين المجتمعين
يمكن، من هذه الزاوية، أن نعيد تصور الدولة كلها.
الدولة ليست قمة هرم يقف المجتمع تحته.
إنها بناء يقع بين وظيفتين للمجتمع:
التأسيس والحراسة.
المجتمع يؤسسها من أسفل.
ثم يحرسها من الخارج دون أن يحل محلها.
والسلطة تعمل داخلها.
والحكومة تديرها.
والأحزاب تتنافس على برامج الحكم.
والقانون يلزم الجميع.
والدستور ينظم البناء.
والعقد الاجتماعي يظل المرجعية التي تمنح هذا كله معناه.
وعندها يستقيم الهرم:
المجتمع ليس رعية الدولة.
الدولة أداة المجتمع لتنظيم وجوده المشترك.
الحوار الذي لا ينتهي بانتهاء الحوار
وهنا نصل إلى المفارقة الأخيرة.
*الحوار الذي يسبق الدولة* *يجب أن ينتهي.*
لأن المجتمع لا يستطيع أن يبقى في حالة تأسيس دائم.
في لحظة ما يجب أن يتحول التوافق إلى عقد.
والعقد إلى دستور.
والدستور إلى قانون.
والقانون إلى مؤسسات.
ثم تبدأ السياسة.
لكن روح الحوار لا ينبغي أن تنتهي.
فالذي ينتهي هو الحوار التأسيسي بوصفه عملية لإنشاء الدولة.
أما قدرة المجتمع على الحوار مع نفسه، ومراجعة تجربته، واكتشاف تحولاته، وحماية مساحته المشتركة، فينبغي أن تصبح جزءًا من ثقافته الدائمة.
فالدولة لا تحتاج إلى إعادة تأسيس كل صباح.
لكنها تحتاج إلى مجتمع يتأكد كل صباح من أنها لم تنسَ لماذا تأسست.
من يحرس الدولة؟
نعود إذن إلى السؤال الذي بدأنا به:
*من يحرس الدولة؟*
القانون يحرسها.
والدستور يحرسها.
والقضاء يحرسها.
والجيش يحمي سيادتها.
والمؤسسات الرقابية تراقب أداءها.
لكن كل هذه المؤسسات، في النهاية، تحتاج إلى مجتمع يعرف لماذا توجد، وما حدودها، ومتى تنحرف عن وظائفها.
ولهذا فإن الحارس الأخير ليس شخصًا.
ولا حزبًا.
ولا مؤسسة واحدة.
إنه:
مجتمع واعٍ، منظم، مستقل، قادر.
مجتمع لا يريد أن يحكم بدل الحكومة.
ولا أن يحمل السلاح بدل الجيش.
ولا أن يشرع بدل البرلمان.
ولا أن يقضي بدل القضاء.
لكنه يرفض أن يستولي أي واحد من هؤلاء على وظيفة الآخر أو على الدولة كلها.
وهنا تتحقق المعادلة الأصعب:
دولة قوية لا تبتلع المجتمع، ومجتمع قوي لا يهدم الدولة.
حين تستقر الدولة في وعي المجتمع
ربما لا تكتمل الدولة حين ترتفع أعلامها، أو تُرسم حدودها، أو تُكتب دساتيرها، أو تُقام مؤسساتها.
ربما تكتمل بصورة أعمق عندما تستقر في وعي مجتمعها.
حين يعرف المواطن أن الحكومة ليست الدولة.
وأن معارضة الحاكم ليست خيانة للوطن.
وأن خسارة حزبه لا تعني خسارته لبلده.
وأن القبيلة انتماء اجتماعي لا سيادة موازية.
وأن الأيديولوجيا قيمة لا وطنًا بديلًا.
وأن الجيش يحمي الدولة ولا يملكها.
وأن الثورة لا تمنح أحدًا صكًا دائمًا للشرعية.
وأن الانتخابات تمنح تفويضًا ولا تمنح ملكية.
وأن الوطن سابق على كل هؤلاء.
عندها تصبح حراسة الدولة جزءًا من وعي المجتمع نفسه.
ولا تعود الدولة مجرد مؤسسات تحرس الناس.
بل تصبح أيضًا فكرة يحرسها الناس.
من الحوار الذي يسبق الدولة إلى المجتمع الذي يحرسها
وهكذا تنتهي رحلتنا من حيث بدأت.
قلنا في البداية إن المشكلة ليست أن السودانيين لم يتحاوروا.
لقد تحاوروا كثيرًا.
لكنهم غالبًا بدأوا الحوار من السياسة، بينما كان السؤال أسبق من السياسة.
وبحثوا عن الحكومة، بينما كانت المشكلة في الدولة.
وجمعوا النخب، بينما كان صاحب الحق التأسيسي غائبًا.
وكتبوا الدساتير، بينما كان العقد الاجتماعي لم يكتمل.
وتنافسوا على السلطة، بينما لم يُحسم بعد ما الذي تملكه السلطة وما الذي لا تملكه.
ولذلك كان لا بد من إعادة ترتيب الطريق:
المجتمع قبل الدولة.
التوافق قبل الدستور.
الدولة قبل السلطة.
والسلطة قبل الحكومة.
ثم اكتشفنا في نهاية الطريق أن هناك إضافة أخيرة لا تقل أهمية:
المجتمع بعد الحكومة أيضًا.
ليس مجتمعًا حاكمًا.
ولا مجتمعًا ثائرًا بصورة دائمة.
ولا مجتمعًا ينازع الدولة سيادتها.
بل:
مجتمعًا حارسًا.
فالحوار الذي يسبق الدولة لا يحقق غايته بمجرد أن ينتج دولة
إنما يحقق غايته حين ينتج أيضًا مجتمعًا يعرف أنه هو الذي أسسها، ويعرف لماذا أسسها، ويملك الوعي والقدرة والمؤسسات التي تمنع أي طرف من امتلاكها من دونه.
وعندها فقط نكون قد انتقلنا من دولة تبحث عن مجتمع يحميها
إلى:
مجتمع صنع دولته ولذلك أصبح قادرًا على حراستها


