حوارات حول الأفكار : أديس حوار بلا وطن (10) : من التنافس إلى الاستئصال : كيف أنتج العقل السياسي السوداني فكرة إلغاء الآخر؟ د. حيدر معتصم مدني إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار

من الطبيعي في أي مجتمع سياسي أن توجد خلافات، وتيارات مختلفة،
وصراعات مصالح، وتنافس على السلطة.
لكن المجتمعات المستقرة تُدير هذا الاختلاف داخل إطار وطني يسمح بالتعايش والتداول والاعتراف المتبادل.
أما حين يتحول الاختلاف إلى محاولة مستمرة لإلغاء الآخر، فإن السياسة تفقد معناها الطبيعي وتتحول إلى صراع وجودي مفتوح.
وهذا ما حدث ـ بدرجات متفاوتة ـ في التجربة السودانية.
فالمشكلة في السودان لم تعد مجرد تنافس سياسي حاد، وإنما تحولت في كثير من الأحيان إلى:
ثقافة سياسية قائمة على فكرة الاستئصال.
أي أن كثيرًا من القوى السياسية لم تتعامل مع خصومها باعتبارهم:
منافسين داخل الوطن،
بل باعتبارهم:
عقبة يجب إزالتها حتى تستقيم الدولة أو الفكرة أو الثورة أو الهوية.
وهنا بدأ الانهيار الحقيقي لفكرة السياسة.
لأن السياسة الطبيعية تقوم على:
إدارة الاختلاف.
أما الاستئصال فيقوم على:
إنهاء الاختلاف نفسه.
ولهذا فإن الفرق كبير بين:
الإقصاء السياسي…
والاستئصال الوجودي.
فالإقصاء قد يكون سلوكًا سياسيًا مؤقتًا داخل عملية تنافس.
أما الاستئصال فهو محاولة لنفي حق الآخر أصلًا في:
الوجود السياسي،
أو الوطني،
أو الأخلاقي.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو اللغة السياسية في السودان ـ في كثير من الأحيان ـ مشبعة بمفردات:
الخيانة،
والعمالة،
والكفر،
والرجعية،
والانتهازية،
والاستعمار،
والفلول،
والانقلابيين،
والميليشيات،
وغيرها من مفردات نزع الشرعية الوجودية عن الخصم.
لأن العقل السياسي لم يعد يرى الآخر باعتباره:
جزءًا من المجتمع يمكن الاختلاف معه،
بل باعتباره:
خطرًا يجب التخلص منه.
وهنا تتحول السياسة إلى حرب نفسية ورمزية مفتوحة.
ومن أخطر نتائج هذا التحول أن كل جماعة سياسية تبدأ في احتكار:
الوطن،
والأخلاق،
والثورة،
والهوية،
وتمثيل الشعب.
وفي المقابل يُجرَّد الخصم من:
الشرعية،
والوطنية،
وحتى الإنسانية السياسية أحيانًا.
ولهذا يصبح من الصعب جدًا إنتاج:
تسوية مستقرة،
أو شراكة وطنية،
أو تداول طبيعي للسلطة.
لأن المجال السياسي يتحرك أصلًا داخل ثقافة:
النفي المتبادل.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تتحول معظم الصراعات السياسية في السودان بسرعة إلى:
معارك اجتماعية،
أو استقطابات هوياتية،
أو حروب مسلحة.
لأن الاستئصال لا يقف عند حدود الخطاب.
بل يتحول مع الوقت إلى:
بنية نفسية كاملة.
بنية ترى أن بقاء الآخر يمثل تهديدًا وجوديًا.
وهنا تفقد الدولة قدرتها على لعب دور:
الإطار الجامع.
لأن كل جماعة تبدأ في بناء عالمها الخاص داخل الوطن الواحد.
ومن المهم هنا أن ندرك أن هذه الأزمة لم تنشأ من فراغ.
بل هي نتيجة تراكم طويل من:
الخلط بين الدولة والسلطة،
وتسييس الهوية،
وغياب المرجعية الوطنية المشتركة،
وفشل التأسيس الوطني،
واحتلال السياسة للمجتمع.
فحين تغيب الدولة الجامعة، تبحث الجماعات عن بدائل:
أيديولوجية،
أو جهوية،
أو قبلية،
أو ثورية،
أو عسكرية.
وهنا يصبح الانتماء للفكرة أو الجماعة أهم من الانتماء للوطن نفسه.
ولذلك فإن أخطر ما يُنتجه الاستئصال ليس فقط العنف السياسي…
بل تحطيم فكرة الوطن المشترك.
لأن الوطن لا يمكن أن يبقى وطنًا إذا كان كل طرف يرى أن وجود الآخر خطأ يجب تصحيحه أو إزالته.
ولهذا فإن بناء الدولة الحديثة يبدأ أولًا ببناء ثقافة سياسية جديدة.
ثقافة تؤمن بأن:
الاختلاف لا يعني الخيانة،
وأن الخصم السياسي ليس عدوًا وجوديًا،
وأن الدولة ليست ملكًا لجماعة،
وأن الوطن يمكن أن يتسع لأفكار متعددة داخل مرجعية مشتركة.
لأن المجتمعات التي تفشل في إنتاج هذه الثقافة تتحول فيها السياسة إلى:
دورات متكررة من الانتقام والإقصاء وإعادة الاستقطاب.
وفي كل مرة يظن طرف أنه انتصر نهائيًا…
تبدأ دورة جديدة من الصراع.
ولهذا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى تغيير في موازين القوة…
بل يحتاج أيضًا إلى:
ثورة عميقة في الوعي السياسي نفسه.
ثورة تنقل السياسة من:
منطق الاستئصال…
إلى منطق التنافس الوطني الطبيعي.
لأن الدول لا تُبنى بإلغاء مكوناتها…
بل تُبنى حين يشعر الجميع أن الوطن أكبر من رغبات الغلبة والانتصار المؤقت.
وحين يفشل المجتمع في إنتاج هذه الفكرة…
تتحول السياسة إلى معركة لا تنتهي على من يملك حق البقاء داخل الوطن نفسه.
