التقارير

حوارات حول الأفكار : أديس حوار بلا وطن (9) : لماذا فشلت كل التسويات السياسية في السودان؟ : لأن الأزمة أعمق من السلطة : د. حيدر معتصم مدني : إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار

منذ الاستقلال وحتى اليوم، لم يعرف السودان نقصًا في:
الاتفاقات،
والمبادرات،
والحوارات،
والتسويات السياسية.
ورغم ذلك ظل البلد ينتقل من أزمة إلى أخرى، ومن تسوية إلى صراع جديد، وكأن المشكلة الحقيقية لا تقترب منها كل هذه المعالجات.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
لماذا تفشل التسويات السياسية دائمًا في السودان؟
هل لأن السياسيين لا يجيدون التفاوض؟
أم لأن التدخلات الخارجية تعرقل الحلول؟
أم لأن المجتمع السوداني بطبيعته غير قابل للاستقرار؟
في تقديري أن الإجابة أعمق من ذلك كله.
لأن المشكلة الأساسية أن معظم التسويات السياسية في السودان كانت تحاول معالجة:
أزمة سلطة…
بينما الأزمة الحقيقية هي:
أزمة تأسيس دولة.
وهنا حدث الخلل الكبير.
فالسلطة ليست هي أصل المشكلة، وإنما هي أحد تجلياتها.
أما الجذر الأعمق فهو:
غياب المرجعية الوطنية المستقرة التي تتحرك داخلها السياسة.
ولهذا كانت أغلب التسويات السودانية تدور حول:
من يحكم؟
وكيف تُقسَّم السلطة؟
ومن يشارك في الحكومة؟
وكيف تُوزَّع المواقع والنفوذ؟
لكنها نادرًا ما اقتربت من الأسئلة الأعمق:
ما هي الدولة أصلًا؟
وما هي مرجعيتها؟
وما الذي يجب أن يكون فوق التنافس السياسي؟
ومن يملك حق تعريف الهوية الوطنية؟
ولهذا كانت كل تسوية تُنتج هدنة مؤقتة…
لا استقرارًا حقيقيًا.
لأن الصراع كان يعود دائمًا إلى جذوره التأسيسية غير المحسومة.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تنهار كثير من الاتفاقات السياسية بسرعة.
لأن القوى المختلفة لا تختلف فقط حول:
تقاسم السلطة،
بل تختلف أيضًا حول:
تعريف الدولة نفسها.
وهنا لا تكفي التسويات التقليدية.
لأنك لا تستطيع بناء استقرار دائم فوق أرضية غير متفق عليها أصلًا.
ولهذا فإن جزءًا كبيرًا من الأزمة السودانية يعود إلى أن النخب السياسية تعاملت مع الدولة باعتبارها:
موضوع تفاوض دائم.
بينما الدول المستقرة تقوم على وجود:
ثوابت غير قابلة للمساومة الحزبية.
مثل:
السيادة،
ووحدة الدولة،
والهوية الجامعة،
والمرجعية الدستورية،
والمؤسسات السيادية.
لكن في السودان ظلت حتى هذه القضايا تدخل باستمرار في سوق الصراع السياسي.
وهنا أصبحت التسويات نفسها جزءًا من الأزمة.
لأنها لم تكن تبني دولة…
بل كانت تدير التوازنات المؤقتة بين القوى المتصارعة.
ولهذا فإن معظم الاتفاقات السياسية في السودان ركزت على:
المحاصصة،
والشراكة،
والتمثيل،
وتوزيع النفوذ،
أكثر من تركيزها على:
بناء المرجعية الوطنية المشتركة.
ومن هنا نشأت مفارقة خطيرة:
كلما زادت التسويات…
ازدادت هشاشـة الاستقرار.
لأن التوافقات التي لا تُبنى على أساس وطني صلب تتحول مع الوقت إلى:
توازنات هشة قابلة للانفجار عند أول اختبار حقيقي.
ولهذا فإن الأزمة السودانية ليست فقط أزمة غياب اتفاق سياسي…
بل أزمة غياب “فكرة الدولة المتفق عليها”.
أي أن الأطراف كثيرًا ما تدخل التفاوض وهي لا تتحرك داخل وطن مُعرَّف بصورة مشتركة أصلًا.
وهنا يتحول التفاوض من:
إدارة اختلاف داخل الدولة…
إلى صراع على شكل الدولة نفسها.
ولذلك فإن كثيرًا من الحوارات السياسية في السودان تبدو وكأنها تدور في دائرة مغلقة.
لأنها تتعامل مع النتائج…
ولا تقترب من الجذور.
ومن أخطر ما نتج عن ذلك أن المجتمع السوداني بدأ يفقد ثقته تدريجيًا في:
العملية السياسية نفسها.
لأن الناس يرون أن الاتفاقات تتكرر…
لكن الأزمات تعود بصورة أعنف.
وهنا يتآكل الإيمان بفكرة الدولة ذاتها.
ولهذا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى:
تسوية سياسية جديدة.
بل يحتاج أولًا إلى:
إعادة تأسيس المرجعية الوطنية التي تجعل أي تسوية قابلة للحياة.
أي بناء:
عقد اجتماعي،
وهوية وطنية جامعة،
وثوابت فوق التنافس،
وحدود واضحة بين:
الدولة،
والسلطة،
والمجتمع،
والسياسة.
لأن التسويات السياسية يمكن أن تُوقف الصراع مؤقتًا…
لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة.
فالدول لا تُبنى بالمحاصصات…
بل تُبنى حين يشعر الجميع أن هناك:
وطنًا مشتركًا،
ومرجعية مشتركة،
ومستقبلًا مشتركًا،
أكبر من مصالح الجماعات المتصارعة.
وحين تغيب هذه المرجعية…
تتحول كل تسوية إلى مجرد استراحة قصيرة بين صراعين.
ولهذا فإن السودان لا يعيش فقط أزمة حكم…
بل يعيش أزمة تأسيس لم تُحسم بعد.
وما لم يُغلق هذا الفراغ التأسيسي…
فإن أي تسوية سياسية ستظل معرضة للانهيار مهما بدت قوية في لحظتها الأولى.

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى