حوارات حول الأفكار : أديس حوار بلا وطن (8) السودان: دولة لم تُنجِز تأسيسها بعد قراءة في مفهوم الفراغ التأسيسي : د. حيدر معتصم مدني : إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار

من أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة الأزمة السودانية اختزالها في:
أزمة حكم،
أو فشل حكومات،
أو صراع نخب،
أو خلل اقتصادي،
أو نزاع عسكري.
ورغم أن هذه كلها مظاهر حقيقية للأزمة، إلا أنها لا تمثل الجذر الأعمق للمشكلة.
لأن الأزمة السودانية ـ في تقديري ـ ليست مجرد أزمة إدارة دولة…
بل أزمة دولة لم تُنجز عملية تأسيسها بصورة مكتملة أصلًا.
وهنا يظهر مفهوم بالغ الأهمية:
“الفراغ التأسيسي”.
والمقصود به:
غياب المرجعية الوطنية المستقرة التي تقوم عليها الدولة الحديثة.
أي غياب:
العقد الاجتماعي الواضح،
والهوية الوطنية المتوافق عليها،
والمرجعية السيادية العليا،
والحدود الفاصلة بين المجتمع والسياسة والدولة.
ولهذا ظل السودان ـ منذ الاستقلال ـ يتحرك سياسيًا فوق أرضية تأسيسية غير مكتملة.
فكانت النتيجة أن كل أزمة سياسية تتحول سريعًا إلى:
أزمة هوية،
أو أزمة شرعية،
أو أزمة وجود دولة.
لأن الأساس نفسه لم يُحسم بصورة مستقرة.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو الدولة السودانية ـ رغم عمرها التاريخي ـ وكأنها تدخل في كل مرحلة سياسية في نقاش جديد حول:
من نحن؟
وما هي الدولة؟
ومن يملك تعريفها؟
وما هي مرجعيتها؟
ومن يمثلها؟
وهذه ليست أعراض دولة مستقرة…
بل أعراض مشروع تأسيس لم يكتمل بعد.
ولهذا فإن السودان لم يعش فقط أزمات تداول سلطة، وإنما عاش أيضًا حالة مستمرة من:
إعادة تعريف الدولة نفسها.
وفي كل مرة كانت القوى السياسية تحاول معالجة الأزمة عبر:
تغيير الحكومات،
أو تقاسم السلطة،
أو إعادة توزيع النفوذ،
دون الاقتراب من السؤال الأعمق:
ما هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة أصلًا؟
ولهذا كانت معظم الحلول مؤقتة.
لأنها تعاملت مع أعراض الفراغ التأسيسي…
ولم تعالج جذوره.
ومن أخطر نتائج هذا الفراغ أن المجتمع السوداني ظل يتحرك داخل فضاء غير محسوم المرجعية.
فأصبحت:
الهوية محل نزاع،
والسيادة محل تفاوض،
والمؤسسات محل استقطاب،
والدستور مؤقتًا،
والسياسة مفتوحة على كل الاحتمالات.
وهنا تفقد الدولة قدرتها على إنتاج الاستقرار الطبيعي.
لأن الاستقرار الحقيقي لا تصنعه القوة وحدها.
بل تصنعه المرجعية المشتركة.
ولهذا فإن المجتمعات المستقرة ليست المجتمعات الخالية من الخلافات، وإنما المجتمعات التي حسمت:
الأسئلة التأسيسية الكبرى.
أي أنها تعرف:
من هي،
وما هي دولتها،
وما هي مرجعيتها العليا،
وما الذي يبقى فوق التنافس السياسي.
أما حين تبقى هذه الأسئلة مفتوحة لعقود طويلة، فإن الدولة تدخل تدريجيًا في حالة:
هشاشة بنيوية دائمة.
وهذا ما حدث في السودان.
فالدولة لم تنهر فقط بسبب الحروب أو الأزمات السياسية، وإنما لأن البناء نفسه ظل غير مكتمل.
ولهذا فإن كثيرًا من الصراعات التي تبدو سياسية في السودان هي في حقيقتها:
صراعات على ملء الفراغ التأسيسي.
أي أن كل جماعة تحاول أن تفرض تصورها الخاص للدولة باعتباره المرجعية النهائية.
ومن هنا تتحول السياسة إلى:
معركة تعريف،
لا مجرد تنافس إداري.
ولذلك فإن أخطر ما في الفراغ التأسيسي أنه يسمح بتحويل:
القبيلة إلى مشروع سياسي،
والأيديولوجيا إلى بديل للوطن،
والجهة إلى مرجعية،
والقوة العسكرية إلى مصدر شرعية.
لأن المرجعية الوطنية الجامعة نفسها لم تُنجز بصورة مستقرة.
ولهذا فإن بناء الدولة السودانية لا يبدأ فقط بوقف الحرب…
ولا فقط بإجراء انتخابات…
ولا فقط بتشكيل حكومة جديدة.
بل يبدأ أولًا بإغلاق الفراغ التأسيسي نفسه.
أي بناء:
عقد اجتماعي حقيقي،
ومرجعية وطنية جامعة،
وثوابت سيادية فوق التنافس،
وفهم واضح للعلاقة بين:
المجتمع،
والسياسة،
والدولة.
لأن الدول لا تستقر فقط بوجود السلطة…
بل تستقر حين يصبح وجودها نفسه غير قابل للتفاوض في كل مرحلة من مراحل الصراع.
ومن هنا فإن المشكلة السودانية ليست أن الدولة غائبة بالكامل…
بل أن الدولة لم تكتمل ولادتها المفاهيمية والسياسية بعد.
ولهذا يبدو السودان أحيانًا وكأنه:
يدير السياسة…
قبل أن يحسم معنى الدولة نفسها.
وهذه هي أخطر نتائج الفراغ التأسيسي.
لأن السياسة يمكن أن تعمل داخل دولة ضعيفة…
لكنها لا تستطيع أن تنتج استقرارًا داخل دولة لم تُحسم مرجعيتها بعد.
ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط معركة سلطة…
بل معركة تأسيس.

