التقارير

حوارات حول الأفكار : أديس حوار بلا وطن(11)الأحزاب السودانيةوأزمةالمرجعية:التناقض بين الخطاب السياسي وفكرة الدولة :د. حيدر معتصم مدني : إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار

من الصعب فهم الأزمة السياسية في السودان دون التوقف عند واحدة من أعمق مشكلات المجال الحزبي نفسه
أزمة المرجعية.لأن كثيرًا من الأحزاب السودانية لا تعاني فقط من ضعف التنظيم أو قصور البرامج أو أزمة القيادة، وإنما تعاني قبل ذلك من:تناقض بنيوي بين مرجعيتها الفكرية وخطابها السياسي ومفهومها للدولة.
وهذا التناقض ظل واحدًا من أهم أسباب اضطراب الحياة السياسية وإعادة إنتاج الأزمات بصورة مستمرة.فالسياسة الطبيعية تقوم على وجود انسجام نسبي بين:
الفكرة،
والخطاب،
والممارسة،
ومفهوم الدولة.
لكن المشكلة في السودان أن كثيرًا من القوى السياسية رفعت شعارات لا تنسجم بالضرورة مع مرجعياتها الأصلية.
ولهذا أصبح المجال السياسي مليئًا بالمفاهيم المعلقة التي تُستخدم كشعارات أكثر من كونها جزءًا من بناء فكري متماسك.
ومن هنا يمكن فهم كثير من التناقضات التي طبعت التجربة السياسية السودانية.
فبعض الأحزاب تتحدث عن:
الديمقراطية…
بينما مرجعيتها الفكرية لا تؤمن أصلًا بالتعدد الكامل أو التداول الطبيعي للسلطة.
وبعض القوى ترفع شعارات:
الدولة المدنية…
لكنها تمارس السياسة بمنطق الهيمنة الأيديولوجية أو الاحتكار الرمزي للوطن.
وبعض التيارات تتحدث عن:
الوطنية…
بينما تتحرك في الواقع وفق اصطفافات أيديولوجية أو جهوية أو خارجية تتجاوز فكرة الدولة الوطنية نفسها.
ولهذا ظل الخطاب السياسي السوداني في كثير من الأحيان منفصلًا عن:
المرجعية الحقيقية التي تحكم سلوك الفاعلين السياسيين.
ومن أخطر نتائج هذا التناقض أن المجتمع فقد القدرة على التمييز بين:
الشعار…
والمشروع الحقيقي.
لأن الخطاب السياسي أصبح أحيانًا أقرب إلى:
لغة تعبئة،
لا تعبيرًا عن رؤية متماسكة لبناء الدولة.
ولهذا فإن كثيرًا من الصراعات السياسية في السودان لم تكن تدور فقط حول:
البرامج،
بل حول:
التناقضات غير المحسومة داخل القوى السياسية نفسها.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو بعض الأحزاب وكأنها تنتقل باستمرار بين:
خطابات متناقضة،
وتحالفات متبدلة،
ومواقف متغيرة بصورة حادة.
لأن المرجعية نفسها غير مستقرة أو غير محسومة بصورة واضحة.
وهنا تتحول السياسة إلى:
إدارة لحظة،
لا بناء مشروع دولة.
ومن أخطر مظاهر هذه الأزمة أيضًا أن بعض الأحزاب تعاملت مع الدولة لا باعتبارها:
إطارًا وطنيًا مشتركًا،
بل باعتبارها أداة لتنفيذ مشروعها الفكري الخاص.
وهنا ظهر التناقض الأكبر.
لأن الدولة الحديثة تقوم على:
إدارة التنوع داخل إطار جامع.
بينما كثير من المشاريع الأيديولوجية بطبيعتها تسعى إلى:
إعادة تشكيل المجتمع وفق تصور محدد للحقيقة أو الهوية أو الثقافة.
ولهذا ظل التوتر قائمًا بين:
فكرة الدولة الوطنية…
وفكرة المشروع الأيديولوجي المغلق.
ومن هنا دخل السودان في صراع طويل بين:
منطق الوطن…
ومنطق الجماعة الفكرية.
أي بين:
الدولة التي تتسع للجميع،
والمشروع الذي يريد أن يعيد تعريف الجميع وفق مرجعيته الخاصة.
ولهذا لم تستطع كثير من القوى السياسية إنتاج مفهوم مستقر للدولة.
لأن الدولة بالنسبة لها لم تكن دائمًا:
غاية مشتركة،
بل كانت أحيانًا:
وسيلة لفرض تصورها الخاص على المجتمع.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم لماذا تعثرت عملية بناء الثقة الوطنية.
لأن المجتمع كان يشعر دائمًا أن الصراع السياسي ليس مجرد تنافس على إدارة الدولة، وإنما محاولة مستمرة لإعادة تشكيل:
الهوية،
والثقافة،
والمرجعية،
ومعنى الوطن نفسه.
ولهذا فإن أزمة الأحزاب السودانية ليست فقط أزمة تنظيم أو قيادة…
بل أزمة:
علاقة مضطربة بين الفكر والسياسة والدولة.
ولذلك فإن أي تحول حقيقي في السودان لا يمكن أن ينجح دون مراجعة عميقة لمفهوم الحزب السياسي نفسه.
أي الانتقال من:
الحزب بوصفه مشروعًا أيديولوجيًا مغلقًا،
إلى:
الحزب بوصفه أداة وطنية لإدارة التنافس داخل الدولة.
وهذا لا يعني إلغاء الأفكار أو التيارات المختلفة.
بل يعني إعادة وضعها داخل حدود الدولة الوطنية لا فوقها.
لأن الأحزاب التي ترى نفسها أكبر من الوطن…
تنتهي غالبًا إلى تفكيكه.
أما الأحزاب التي تتحرك داخل مرجعية وطنية مشتركة…
فإنها تُسهم في بناء الدولة حتى وهي تختلف فيما بينها.
ولهذا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى أحزاب جديدة…
بل يحتاج قبل ذلك إلى:
وعي جديد بوظيفة الحزب نفسه.
وعي يفصل بين:
الدولة والفكرة،
والوطن والجماعة،
والسياسة والهيمنة.
لأن الدولة لا تُبنى حين تتحول الأحزاب إلى مشاريع احتكار للحقيقة…
بل تُبنى حين تصبح السياسة وسيلة لتنظيم الاختلاف داخل وطن يتسع للجميع.

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى