وجه الحقيقة : إبراهيم شقلاوي : حكومة الأمل والتعافي المؤجل

في السياسة كما في الاقتصاد، لا تُقاس قيمة الحكومات بحجم الوعود التي تطلقها، وإنما بقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص، والتحديات إلى إرادة للتعافي. ومن هذه الزاوية المهمة، يتضح أن حكومة الأمل تواجه أول اختبار حقيقي لها، في قدرتها على إقناع السودانيين بأن التعافي الاقتصادي يمكن أن يتحول من حلم مؤجل إلى واقع معاش
فالتراجع المتسارع في قيمة الجنيه والارتفاع المستمر في أسعار العملات الأجنبية، وغلاء المعيشة “ثلاث أرغفة بألف جنيه” ،يكشفان عن أزمة تتعلق ببنية الاقتصاد. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023، أدخلت البلاد في مرحلة استنزاف طالت الإنتاج والاستثمار والخدمات والأسواق، بل تراجعت ثقة المواطن في قدرة الدولة على حماية معاشه اليومي.
ومع ذلك، فإن اختزال المشهد في تداعيات الحرب، والدولار قد يقود إلى قراءة مضللة فالأمم لا تنهض باستقرار سعر الصرف وحده وإنما بقدرتها على خلق الثروة وتوسيع الإنتاج وتحويل الموارد إلى قيمة مضافة. ولذلك فإن السؤال: ليس لماذا ارتفع الدولار بل لماذا تراجع الإنتاج؟ ولماذا اتسعت دائرة الفقر لتبلغ 70 بالمئة؟ ولماذا ظل الاقتصاد، رغم موارده الضخمة، عاجزاً عن بناء قاعدة إنتاجية قادرة على الصمود أمام الصدمات؟
من هنا تبدو مسؤولية الحكومة أكبر من مجرد إدارة الأزمة الاقتصادية. فهي مطالبة بإعادة تعريف دور الدولة، من دولة تنشغل بإدارة الأزمات اليومية إلى دولة تقود عملية تعافٍ وطني شاملة. فالسودان لا يحتاج اليوم إلى معالجات إسعافية، بقدر حاجته إلى رؤية اقتصادية متكاملة تنطلق من الإنتاج باعتباره المدخل الطبيعي للاستقرار النقدي والاجتماعي والسياسي.
ولعل قرار مجلس الوزراء الأخير بالدخول المباشر في استيراد المشتقات البترولية يعكس إدراك حجم الضغوط التي تواجه اقتصادنا الوطني، خاصة في ظل التأثير المباشر للوقود على تكاليف الإنتاج والنقل والأسعار وسعر الصرف. غير أن أهمية القرار لا تكمن في التدخل الحكومي، وإنما في قدرته على أن يكون جزءاً من سياسة اقتصادية جادة تعالج جذور الأزمة.
فالسوق لا يحتاج فقط إلى ضبط الإمدادات، بل إلى خفض تكاليف الإنتاج وتحفيز الاستثمار وزيادة الصادرات واستعادة الثقة في الاقتصاد الوطني.
الحقيقة إن التعافي الاقتصادي لن يتحقق بالإجراءات النقدية وحدها مهما كانت أهميتها، فالسودان يمتلك موارد زراعية ومعدنية وبشرية كفيلة بتجاوز أزمته، لكنها مُهدرة تحت إدارة عاجزة ورؤية محدودة. العائدون إلى مدنهم يحتاجون إلى إنتاج وفرص عمل ومشروعات صغيرة تعيد دمجهم في الاقتصاد، لا وعوداً مؤجلة. كما أن استعادة الثقة في الجنيه مرهونة بقدرة الدولة على إدخال النقد إلى النظام المصرفي وربط الموارد بسلاسل قيمة مضافة، بدل استمرار اقتصاد يبدد إمكاناته بدل أن يوظفها.
وفي تقديري، فإن أخطر ما يواجه الحكومة اليوم ليس شح الموارد، وإنما وقوعها في فخ إدارة التوقعات بالشعارات بدلاً من إدارة الواقع بالسياسات. فالفقر الذي تمدد بفعل الحرب لا يمكن مواجهته عبر برامج موسمية أو مبادرات محدودة الأثر، وإنما عبر مشروع وطني يجعل من التشغيل والإنتاج أولوية سياسية لا تقل أهمية عن استعادة الأمن والاستقرار.
فوزارة المالية وحدها لا تستطيع خفض الفقر، كما أن البنك المركزي وحده لا يستطيع حماية الجنيه، ما لم تعمل مؤسسات الدولة ضمن رؤية موحدة تربط بين الإنتاج والتشغيل والتعليم والتنمية الاجتماعية والاستثمار.
المفارقة أن السودان يملك اليوم فرصة حقيقية لإعادة بناء اقتصاده مع عودة المواطنين واستئناف الحياة ، وتزايد الاهتمام ببرامج التعافي، لكنها تتبدد تحت بطء الحكومة وضعف معالجاتها. فبينما ينتظر الشارع ثمار السلام، يواصل الجنيه التراجع وتتآكل الدخول وتتسع معاناة المعيشة. وفي الوقت الذي تنشغل فيه السلطة بإدارة التوازنات السياسية، ينزف الاقتصاد بصمت. واستمرار هذا الانفصال بين أولويات الحكم واحتياجات الناس يفاقم الفجوة بين الدولة والمجتمع، بما ينذر بتداعيات لا يمكن احتواؤها.
لا يحتاج السودانيون اليوم إلى حكومة تدير الوقت، بل إلى حكومة تسبق الانهيار. فالجنيه يهبط أسرع من قراراتها، والأسعار ترتفع أسرع من معالجاتها، والفقر يتمدد على مرأى منها. ومعركة رئيس الوزراء الحقيقية ليست في الخطاب السياسي أو الزيارات الاجتماعية، بل على مائدة المواطن. فإذا عجزت الحكومة عن وقف هذا التدهور، فلن يكون السؤال عن كفاءتها في إدارة الأزمات، بل عن جدوى بقائها أصلاً، لأن الحكومات تفقد مشروعيتها حين يشعر الناس أنها تدير الأزمات بالكلام لا بالحلول.
لذلك، وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن السؤال متى تنجح الحكومة في وقف الانهيار الاقتصادي واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي. أما إذا استمر هذا التدهور بالوتيرة نفسها حتى نهاية العام، فلن يكون التحدي أمام رئيس الوزراء هو الدفاع عن أداء حكومته، بل تبرير بقائها. وعندها قد يكون الأجدر به أن يسبق قرار الإقالة بتقديم الاستقالة والاعتذار عن التكليف، لأن الحكومات تُمنح الفرص لتحقيق النتائج لا لإدارة الأزمات.
دمتم بخير وعافية.
الاثنين 15يونيو 2026 م Shglawi55@gmail.com


