الراي

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي : عودة الصحافة والأيام

لقد شكّلت الصحافة السودانية ،عبر عقود، أحد أهم أعمدة الوعي الوطني، كما ظلت مجالًا رحبًا لتعدد الأصوات وتطوير العمل السياسي وقبل الحرب، كانت الخرطوم تصدر ما يقارب عشرين صحيفة سياسية واجتماعية، ورياضية تعكس حيوية المشهد واتساع فضاء التعبير غير أن هذا القطاع انهار مع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، توقف النشر، تلاشت الإعلانات وانقطعت الاشتراكات، بينما تعرضت البنية التحتية لاعتداءات مليشيا الدعم السريع أدت إلى تدمير المطابع، في ضربة اصابة النشر الصحفي وطالت أحد أهم روافع استقرار الدولة
اليوم مع تهيئة الظروف لعودة الحياة إلى العاصمة، تلوح فرصة حقيقية لإحياء هذا القطاع الحيوي لذلك فإن استعادة الصحافة الورقية بات ضرورة موازية للجهد الأمني والإداري، إذ لا تستقيم الدولة بالقوة وحدها، بل بالكلمة التي تراقب وتفسر وتمنح المجتمع قدرته على الفهم والمساءلة
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية الدولة في تهيئة البيئة الممكنة لعودة الصحافة، عبر تدخلات ذكية منتجة تعيد بناء الحد الأدنى من البنية التحتية فإعادة تأهيل المطابع، أو استجلاب ماكينات طباعة بديلة، يمثلان خطوة تأسيسية يمكن أن تعيد هذا القطاع إلى الحياة من جديد
كذلك يمكن لجهات وطنية مثل هيئة الصناعات الدفاعية التي أعادت تعريف مفهوم الإسناد الوطني عبر أدوارها العملية في مجالات مختلفة حظيت بالتقدير، أن تسهم في هذا المسار من خلال صيانة البنية الطباعية أو إعادة تأهيلها بتقانات حديثة على غرار إسهاماتها السابقة في دعم العودة الطوعية للسودانيين، وتعزيز قطاعي الكهرباء والتعليم باعتبار أن استقرار القطاع الإعلامي جزء أصيل من استقرار الدولة
كما يظل دور المجلس القومي للصحافة والمطبوعات مهما في تيسير الإجراءات ودعمها وخلق بيئة تنظيمية جاذبة تُشجع على العودة دون تعقيد بجانب تهيئة الإطر التنظيمية وتخفيف الأعباء الإجرائية، بما يسمح بعودة تدريجية ومدروسة للصحف إلى الصدور من جديد وفق مسار يوازن بين متطلبات الاستقرار المهني وشروط الاستدامة
غير أن الرهان الأكبر يظل على الفاعلين داخل المهنة أنفسهم. فالناشرون والصحفيون ليسوا مجرد متلقين للدعم، بل شركاء في صياغة هذه اللحظة التاريخية إن المبادرة إلى إعادة الطباعة، حتى بإمكانات محدودة، تمثل فعلًا تأسيسيًا يعيد الثقة بوجود الدولة، ويوثق لبداية تحول جديد. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس إن كانت الصحافة ستعود، بل من سيبادر بدعم الاستقرار أولًا ويعمل علي كسر حالة الجمود وفتح الطريق أمام الآخرين.
أما الرأي القائل بأن المستقبل حُسم لصالح الصحافة الرقمية، فيغفل خصوصية السياق السوداني. فالتحول الرقمي ليس مجرد انتقال تقني بل هو نتاج بنية اقتصادية وثقافية متكاملة: نظم اشتراك مستقرة، سوق إعلاني نشط وآليات دفع إلكتروني فعالة وهي شروط لم تتبلور بعد بصورة تسمح بأن يكون البديل الرقمي كافيًا وحده لحمل عبء الحضور الإعلامي عليه فإن الصحافة الورقية تظل، في هذه المرحلة، خيارًا واقعيًا وضروريًا لإعادة بناء الحد الأدنى من التواصل المجتمعي المنظم والفاعل
لكن إذا تعثّر استعادة الصحف الورقية، فإن الواقعية تفرض التفكير في صيغة انتقالية أقل طموحًا، لكنها أعمق أثرًا، وذلك عبر مبادرة من قيادة الدولة للمحافظة على المشروع الإعلامي الوطني، بدعم إصدار صحيفتين رصينتين على الحد الأدنى، على غرار ما مثّلته “الصحافة والأيام ويهدف ذلك إلى صون الإعلام الوطني المسؤول، القادر على التعبير عن الدولة دون أن يُختزل فيها، وعلى أداء دوره العام دون أن يفقد استقلاليته.
تؤكد تجارب الدول الخارجة من النزاعات أهمية الصحف، ففي لبنان، مثلت عودة الصحف إلى الصدور بعد نهاية الحرب الأهلية مؤشرًا جيدا على استعادة الدولة لمكانتها، رغم استمرار التحديات. لم تكن تلك العودة مجرد استئناف للطباعة، بل إعلانًا بأن الحياة المدنية قادرة على النهوض
تقف الخرطوم اليوم أمام اختبارٍ مشابه حيث تتجاوز عودة الصحافة الورقية، والتاكسي والمقاهي، والأندية الثقافية والرياضية، كونها استعادةً لمظهر العاصمة، لتغدو مؤشراً على عودة الدولة، وترميم الإحساس الجمعي بالأمان في لحظة انتقال من الحرب إلى السلام وفي هذا السياق، لا يُقاس التعافي بعودة المؤسسات وحدها، بل باستعادة الفضاءات التي تُنتج الوعي العام، حيث تعود الكلمة المكتوبة، والتحليل، والصوت النقدي أدواتٍ فاعلة لإضاءة الطريق وإعادة تشكيل الفضاء العام للمرحلة
بحسب وجه_الحقيقة فإن الدعوة اليوم تتجاوز حدود التمني إلى ضرورة الفعل مبادرة قومية تتكامل فيها جهود الدولة مع إرادة الناشرين والصحفيين، لإعادة طباعة الصحف من قلب الخرطوم، كما كانت من قبل فالدول تُبنى حين تتعافى مؤسساتها، لكنها تُستعاد حقًا حين يعود وعيها إلى النبض وتعود السلطة الرابعة الي دورها في القيادة والتأثير
دمتم بخير وعافية
الأحد 19 أبريل2026م Shglawi55@gmail.com

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى