الراي

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي : السودان بين ثلاث جبهات

في ذكرى السادس من أبريل، أعاد الرئيس عبد الفتاح البرهان، التأكيد على رسوخ التجربة السودانية خلال تاريخها الممتد، رابطاً بين مواقف الجيش في 1985 و2019، و 2023 معركة الكرامة. هذا الخطاب إطار لفهم الدور المحوري للجيش السوداني في حماية سيادة البلاد ووحدتها وسط مشهد معقد من الصراع الداخلي والإقليمي والدولي.
اختيار البرهان لهذه الذكرى لمخاطبة الشعب يحمل دلالة سياسية مهمة، تمثل إعادة استدعاء لحظة مفصلية في التاريخ السوداني. فهذا اليوم المرتبط بإسقاط نظام جعفر نميري عام 1985، وانحياز الجيش لانتفاضة الشعب، ظل يمثل نموذجًا لتلاقي الإرادة الشعبية مع المؤسسة العسكرية.
كما أنه يعيد تثبيت فكرة أن الجيش، في أوقات التحول الكبرى لا ينفصل عن المزاج الوطني، بل يتحرك ضمنه كحارس للاستقرار ووحدة الدولة.
ضمن هذا الإطار، يعيد الخطاب بناء سردية متصلة بين محطات في مسار واحد تتكرر فيه لحظة الانحياز الوطني كلما تعرضت الدولة لتهديد وجودي. وهنا يُستخدم 6 ابريل، كأداة سياسية لإعادة تعريف الصراع الراهن: بأنه معركة على بقاء الدولة، حيث يصبح التلاقي بين الشعب والجيش شرطًا لازمًا لحماية البلاد من التفكك والضغوط الخارجية.
يقف السودان اليوم عند تقاطع ثلاث جبهات متداخلة : جبهة داخلية متماسكة، تتوحد فيها القوات المسلحة مع القوى المدنية والمقاومة الشعبية لحماية الدولة وهزيمة التمرد، جبهة خارجية تسعى فيها أطراف دولية وإقليمية لتوظيف الأزمة، وجبهة حدودية تتحرك فيها حسابات الأمن والنفوذ. هذه الجبهات الثلاث ، يتوقف صمودها على تكامل الإرادة الوطنية مع القدرة العسكرية لحماية سيادة البلاد ووحدتها الوطنية.
في الداخل، لم يُنتج سقوط النظام السابق مشروعًا وطنيًا متماسكًا، بل أوجد فراغًا مخزيًا استغلته قوى سياسية سعت للسلطة عبر توظيف مليشيا الدعم السريع لأجندات خارجية. في المقابل برز الجيش السوداني، بقيادة البرهان، منسقًا مع المقاومة الشعبية والقوى الوطنية، ليشكل محورًا دفاعيًا صلبًا أعاد ضبط المعادلة. ولم يكن ذلك صدفة، بل نتاج إدارة واعية ومنتبه لحقيقة الصراع، مدعومة بظهير شعبي حافظ علي السيادة الوطنية.
خطاب البرهان يكشف أن القوة لا تكمن في السلاح وحده، بل في قدرة المؤسسة العسكرية على استثمار الانحياز الشعبي لصالح حماية الدولة ووحدة الشعب. فالجيش بتاريخه الممتد عبر محطات مختلفة، أثبت أنه قادر على حماية البلاد ، فيما تعمل المقاومة الشعبية على تعزيز هذا الجهد، لصد المشاريع التي تهدف إلى تفكيك الدولة والسيطرة على مواردها.
على الجبهة الخارجية، يبرز الجدل حول مؤتمر برلين ومبادرات الدعم الدولي، حيث كشف مدى وعي القوى السياسية الوطنية السودانية بالدور الاستراتيجي في حماية سيادة البلاد ووحدتها. فقد قررت هذه القوى، الداعمة لوحدة السودان ونصرة الجيش في مواجهة التمرد، مقاطعة المؤتمر، معتبرة أن الدعوات جاءت بشكل غير متوازن، وأقصت مشاركين فاعلين من الطرق الصوفية والقيادات القبلية والمجتمعية والشبابية والنسوية، معتبرة ذلك يضعف أي توافق وطني حقيقي.
هذا الموقف يعكس إدراكًا مهما بأن أي تدخل خارجي، حتى وإن بدأ إنسانيًا، يمكن أن يتحول إلى غطاء سياسي لإعادة انتاج القوي التي سعت للاستيلاء على السلطة، وأن الحلول الحقيقية، يجب أن تنبع من الإرادة الوطنية، مع ضمان حماية المدنيين وتوفير الدعم الإنساني.
الخطاب يشير أيضا إلى أن السيادة الحقيقية تُصان بقدرة الدولة على حماية شعبها وإدارة دعم الخارج بما يخدم الوطن، لا برفض التعاون الدولي ولا يتغاضى عن المعاناة الإنسانية. هذا التوازن يوضح كيف يمكن توظيف الدعم الخارجي دون تفريط في القرار ،هذا يمثل نضج في إدارة التحديات.
المشهد الشعبي يعكس الوعي الوطني. التظاهرات التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس الثلاثاء ضد قيادات صمود المرتبطة بالدعم السريع، تبرز رفض المجتمع السوداني لأي محاولة للتلاعب بمآسيه السياسية والإنسانية. الهتافات التي استقبلت تلك القيادات، مثل “بكم بعتوا الدم؟” تجسد الحنق الشعبي من كل من حاول تحويل الأزمة إلى أداة لتحقيق مصالحه الشخصية أو الحزبية. هذا الرفض الشعبي يشكل عنصر ضغط مستمر يضطر الجميع، محليًا ودوليًا، للاعتراف بالحقائق الواقعية على الأرض.
في البعد الأمني والحدودي، يعكس اجتماع مدير الاستخبارات العسكرية السودانية، الفريق ركن محمد صبير أمس، مع رئيس أركان الجيش الليبي في طرابلس إدراكًا استراتيجيًا لأهمية تحصين الجبهة الغربية، عبر تنسيق أمني وتبادل معلومات يعزز قدرة الدولة على كبح تدفقات السلاح ومواجهة التهديدات العابرة للحدود. وهو توجه يكشف وعيًا بأن حماية السيادة لم تعد عسكرية فقط، بل مزيج من الحزم الأمني والدبلوماسية الوقائية الذكية .
وبين كل هذه الجبهات، يبرز التأكيد على الشرعية الداخلية، التي كشفت عن ضرورة إعادة بناء الثقة بين الشارع والنخب السياسية. خطاب البرهان هنا يعكس فهمًا عميقًا أن الجيش والشعب، جنباً إلى جنب، يشكلان الدعامة الأساسية لوحدة الدولة واستمرارها، وأن أي مشروع سياسي يجب أن يكون ضمن إطار يحمي السيادة ويضع مصلحة السودان أولاً.
من هذا المنظور، يمكن القول إن السودان استطاع أن يفرض نفسه على جبهاته الثلاث: داخلياً، عبر مقاومة التمزق والانقسام؛ إقليمياً، عبر إدارة الحدود وتحركاته الأمنية؛ ودولياً، من خلال حماية القرار الوطني واستثمار الدعم الخارجي بما يخدم مصالحه. الجيش والمقاومة الشعبية لم يكونا مجرد أدوات قوة، بل محور وطني يعيد إنتاج الدولة ويصون سيادتها
اليوم، بحسب #وجه_الحقيقة يقف السودان أمام اختبار حقيقي : حماية سيادته، توحيد قواه الوطنية، واستعادة القرار في يد السودانيين. التحدي لا يقتصر على مواجهة التدخلات الخارجية، بل في بناء مشروع سياسي وطني يحول الصراع إلى مسار للسلام والاستقرار، حيث تكون الدولة قوية وقرارها سودانياً . في هذا السياق، يمثل خطاب البرهان رؤية وطنية، تؤكد أن الشعب والجيش معاً يشكلان القوة الحقيقية لمستقبل البلاد.

دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 7 أبريل2026م Shglawi55@gmail.com

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى