وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي : السودان: دولة أم غنيمة؟

ظلت أزمتنا السودانية إعادة إنتاج لمخططات قديمة، حيث تتكرر الأطماع والعدوان على بلادنا كما حدث خلال حرب الجنوب بين 1983 و2005، حين دعمت الولايات المتحدة الأمريكية العمليات العسكرية عبر أوغندا وإثيوبيا. اليوم يعيد التاريخ نفسه، لكن بأساليب حديثة: دعم خارجي للتمرد، أطماع دول الجوار، وصراعات على الموارد الحيوية، لتصبح قدرة البلاد على حماية سيادتها مرتبطة بفاعلية الدولة والجبهة الداخلية.
ما يجري في السودان يعكس تحولًا نوعيًا في أنماط الصراع، فلم يعد التدخل الخارجي مباشرًا بالمعنى التقليدي، بل بات يُدار عبر شبكات معقدة تتوزع فيها الأدوار بين التمويل والتدريب والإسناد اللوجستي. وفي هذا السياق تكتسب تصريحات المستشار الإماراتي د. عبد الخالق عبد الله لبرنامج (الحل ايه) الذي تقدمه د. رباب المهدي دلالة خاصة، إذ إن محاولته نفي انفراد بلاده بالدعم عبر الإشارة إلى أدوار دول إقليمية أخرى.
لا تُضعف الاتهام بقدر ما تعيد صياغته. فسياسيًا يتحول النفي إلى إقرار ضمني بوجود منظومة دعم متعددة الأطراف، حيث لا تُلغى المسؤولية بل يُعاد توزيعها. وهذا النمط من الخطاب المكشوف يوضح أن الصراع لم يعد شأنًا داخليًا، بل أصبح جزءًا من شبكة إقليمية تُدار فيها الحرب كأداة لإعادة تشكيل موازين النفوذ، وتُختبر فيها إرادة الدولة.
المفارقة أن ذات القوى الدولية وعلي رأسها الولايات المتحدة الأمريكية تسرع إلى تقييد الدعم الشعبي للجيش تحت حجج حقوقية أو اتهامات بانتهاكات، بينما تتغاضى عن جرائم مثبتة بحسب منظمات حقوقية ارتكبتها مليشيا الدعم السريع في الجزيرة ودارفور وكردفان، وهو ما أشار إليه فولكر تورك مفوض حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بصراحة.
هذه التناقضات تعكس فوضي القانون الدولي وانهيار الأخلاق والقيم الإنسانية، كما أنها تعكس هشاشة الأحزاب السياسية السودانية، وغياب قدرة الفاعلين المدنيين على ترجمة الدعم الشعبي إلى فعل ملموس، أو على الأقل تنسيق فعلي إقليمي ودولي مع القوات المسلحة لحماية الوطن.
الجيش والأجهزة الأمنية السودانية تقوم بواجبها رغم الصعوبات، لكن الانقسام السياسي يفاقم أزمة الدولة. الأحزاب منقسمة بين مجموعات داعمة للجيش بلا فاعلية واضحة في تحريك الجماهير وتوظيف قواعدها في معركة الوطن، وأخرى مثل تيار “صمود”، تدعم التمرد وتبرره تحت شعارات إنسانية، وتعمل على إضعاف الروح الوطنية بدلاً من تقويتها.
في المقابل تظهر الفاعلية الحقيقية في التيارات الشبابية الإسلامية وحركات الكفاح المسلح، حيث يترجم هؤلاء دعمهم إلى ميدان المعركة، ويجسدون أن القضية ليست منابر للحديث، بل مسألة وجود وقرار وطني.
الحرب اليوم ليست على الأرض فقط، بل على خطوط الموارد والتمويل. الذهب، والمعادن الاستراتيجية، والأراضي الزراعية، والمياه تشكل هدفًا للصراعات الإقليمية والدولية. الاقتصاد الرسمي تم تفكيكه وحل محله اقتصاد حرب موازٍ، تقاس فيه القوة بقدرة الفاعلين على السيطرة على الموارد وتسييلها عبر شبكات عابرة للحدود. الدولة تصبح إطارًا شكليًا بينما السلطة الفعلية تنتقل لمن يملك المال والسلاح وشبكات التهريب.
انصراف الأحزاب وانحسار التعبئة الشعبية، نتيجة لغياب قيادة سياسية فعّالة تدرك أن الاستنفار الوطني ضرورة وجودية. سقوط مواقع استراتيجية مثل الكرمك ونزوح آلاف الأسر يثبت أن الحرب تهدد وجود الدولة، وأن أي وهم بانتهاء الصراع يضعف الروح المعنوية ويقوي العدو.
هنا يصبح من المهم ظهور قيادات الأحزاب والقيادة الميدانية للجيش، و رئيس الوزراء وحكومته في الصفوف الأمامية، أمر بالغ الأهمية لإعادة الثقة في المعركة ودعم الجيش.
فقد أفرزت بعض الخطابات المتفائلة انطباعًا زائفًا بأن المعركة أوشكت على نهايتها، ما أدى إلى انصراف تدريجي للمجتمع عن حالة الاستنفار. هذا الانفصال بين الإدراك الشعبي وواقع الميدان يخلق فراغًا نفسيًا يسمح باستمرار الصراع دون مقاومة متماسكة. فالحروب لا تُحسم فقط في خطوط النار، بل أيضًا في وعي الشعوب التي تخوضها. وحين يضعف هذا الوعي، تتآكل قدرة الدولة على الصمود حتى لو امتلكت أدوات القتال.
الأحزاب السودانية، عبر عقود، أضاعت فرصة بناء دولة قوية ومستقرة، سواء خلال حكم الإنقاذ أو بعده، بفعل الانقسامات الداخلية والتنافس على المناصب والموارد، ما جعل السودان رهينة للصراعات والأطماع الإقليمية والدولية. الفشل لم يكن نتيجة العقوبات وحدها، بل غياب رؤية استراتيجية واضحة لإدارة الموارد وتحويلها إلى رافعة تنموية، وهو الفراغ الذي استغله الداخل والخارج ليظل السودان مستهدفًا.
الأزمة السودانية اليوم أزمة دولة. دولة بدأت تنصرف عن معركتها ،غير قادرة على فرض سيادتها، فيما الأطماع الدولية والإقليمية تتقاطع على ثرواته. التدخل الخارجي هنا ليس استثناءً، بل نتيجة طبيعية لهشاشة الدولة. السودان اليوم هش بما يكفي ليُلتهم، وأي استقرار أو تنمية مستقبلية رهينة بقدرة الدولة على استعادة سيادتها وتوحيد جبهتها الداخلية.
تتجدد الأطماع في السودان كلما تجدد ضعفه الداخلي، إذ تقترن وفرة موارده بغياب دولة قادرة على إدارتها بكفاءة. وكسر هذا النمط لا يكون بالشعارات، بل بإعادة بناء الدولة على أسس تجعل إدارة الموارد أساسا للسيادة الوطنية، حيث لا تحسم المعركة بحيازة السلاح وحده، بل بالقدرة على تحويل الثروة إلى قوة وطنية فاعلية في وجه الأطماع .
وفي هذا الإطار، بحسب #وجه_الحقيقة يصبح إسناد الجيش و التنمية فعلًا مهما لا مجرد برنامج : رفع التعبئة ،تنظيم قطاع التعدين وقف التهريب ، وتطوير الزراعة ، وبناء بنية تحتية تربط الأطراف بالمركز وتمنع تحوّل الهوامش إلى مناطق نفوذ خارجي، وتوجيه استثمارات الطاقة والبترول نحو اقتصاد إنتاجي حقيقي. هذا بجانب مشروع وطني جامع يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والثروة والمجتمع، بذلك يمكن تحويل الموارد من لعنة تستدعي الأطماع إلى قوة تحمي السودان، وتكسر الحلقة التي جعلته، كلما ضعف، أقرب إلى الغنيمة منه إلى الدولة.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 1 أبريل 2026 م Shglawi55@gmail.com


