المقالات و الاعمدة

أساتذة الجامعات السودانية : بين الإضراب ومقصلة العيش الكريم بقلم : أبوبكر معتصم محمد

لم يكن الأستاذ الجامعي في السودان يوماً مجرد موظف يتقاضى راتباً مقابل ساعات تدريس بل كان على مر العقود حارس الوعي ومنارة التنوير التي تخرج من تحت عباءتها القادة والعلماء لكن اليوم يجد هذا الصرح الشامخ نفسه في مواجهة شرسة لا مع المناهج أو قاعات المحاضرات بل مع مقصلة العيش الكريم التي باتت تهدد وجوده المهني والإنساني على حد سواء
فالتوقف عن العمل خيار الضرورة لا الرفاهية
و حين يقرر أستاذ الجامعة الإضراب فهو لا يمارس ترفا سياسيا أو شغبا فئويا بل يمارس آخر الحلول فالإضراب هنا هو صرخة احتجاج ضد واقع اقتصادي جعل من راتب بروفيسور أفنى عمره في البحث العلمي لا يكاد يغطي تكلفة المواصلات أو الاحتياجات الأساسية لأسرة متوسطة ليجد الاستاذ نفسه في اوج معركة استرداد الكرامة قبل أن تكون معركة أرقام في حسابات البنك
حيث تمثل فئة الأساتذة العمود الفقري للطبقة الوسطى في السودان وانهيار قدرة هذه الفئة على العيش الكريم يعني ببساطة تجريف المجتمع من عقله المفكر عندما يضطر الأكاديمي للبحث عن عمل إضافي في مهن لا تليق بتخصصه أو يقضي يومه في ملاحقة صفوف الخبز والوقود فإننا نغتال البحث العلمي في مهده ونحول الجامعات إلى مجرد مبانٍ خاوية من روح الإبداع
بين سندان الأمانة ومطرقة الواقع
يعيش الأستاذ السوداني صراعا أخلاقيا مريرا فمن جهة هناك الأمانة العلمية تجاه طلابه الذين يمثلون مستقبل البلاد ومن جهة أخرى هناك الواجب الأسري الذي يفرضه واقع التضخم الجامح وانهيار العملة الوطنية بما يضع الاستاذ الجامعي امام صراع مع عدة تساؤلات
هل يستمر في التدريس بعقل مشتت في ظل الضغط معيشي الراهن ؟
أم يتوقف ليسمع صوته لمن صموا آذانهم عن النداءات التي يطالب فيها بابسط حقوقه ؟
ام يستسلم للامر الواقع بقناعة تشتت تفكيره و جهوده على حساب ادائه و مستقبل اسرته ؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات تضع الدولة بكامل أجهزتها أمام مسؤولية تاريخية فإهمال مطالب الأساتذة ليس مجرد شأن مالي بل هو خيانة للأجيال القادمة
إن المطالبة بـ هيكل راتبي خاص ومنصف ليس مطلبا أنانيا بل هو فعل وطني بامتياز لأن تحصين الأستاذ الجامعي ماديا يعني
* الحد من هجرة العقول التي استنزفت الجامعات السودانية لصالح دول الجوار والعالم
* ضمان جودة التعليم فالأستاذ المستقر نفسيا وماديا هو الأقدر على العطاء والبحث والابتكار.
* استقلالية الجامعة و حماية الأكاديمي من الحاجة يحمي استقلالية قراره وعلمه من التبعية
ختاما لا وطن بلا علم و السلطة التي تضع الأستاذ الجامعي بين خيار الإضراب أو المذلة المعيشية هي سلطة تغامر بمستقبل الوطن فمقصلة العيش التي تتدلى فوق رقاب العلماء يجب أن ترفع فورا ليس من أجل الأستاذ كشخص بل من أجل الجامعة كرسالة ومن أجل حلم السودان بالنهضة
فكرامة الأستاذ الجامعي هي من كرامة الدولة وضياع حقوقه هو المسمار الأخير في نعش التنمية فهل من مجيب قبل أن تصبح قاعات الدرس مهب الريح ؟

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى