وجه الحقيقة : إبراهيم شقلاوي : إطفاء أنوار المطار

بعد ثلاثة أعوام من حربٍ الأطماع الإقليمية والدولية علي بلادنا ، و التي صمدت فيها أسرتي في أم درمان تحت القصف العشوائي و الفواجع اليومية، اخترت أن اصحبهم في رحلة استثنائية إلى المملكة العربية السعودية لأداء العمرة، وقضاء رمضان وعيد الفطر، ومشاركة فرحة ميلاد حفيدتي. خلال ذلك حرصت علي مواصلة الكتابة بانتظام، إلا في أيام العيد. كانت الرحلة ، تجربة جيدة للكشف عن عالمين: عالم يُشيّد النظام بعناية ويضع الإنسان في المقدمة ، وآخر تحكمه الفوضى حتى في أبسط التفاصيل، بما في ذلك مطار بورتسودان الدولي الذي غدا شاهدًا على عجز الحكومة.
الرحلة بدأت مكافأة للأسرة وانتهت كنافذة للرصد والتحليل السياسي، لتكشف هشاشة الدولة بعد الحرب، وتوضح مسارات النهوض الممكنة عبر إصلاح السلوك الإداري، والتخطيط المدروس، والحوكمة الفاعلة.
ما إن تحركنا من أم درمان إلى بورتسودان حتى تكشّف عمق الأزمة : حجز الباصات معقّد، والوسطاء يتكاثرون، وجبايات الطريق لا تنقطع، مع تفاوت حاد في الأسعار يرهق المواطن ويدفعه قسرًا إلى بدائل هروبًا من جشع السماسرة. تلك الفوضى اليومية ليست إلا انعكاس لأزمة الحكم، غيابٌ للتخطيط، وضعف الرقابة، وتراجعٌ مؤلم في مؤسسات الخدمة.
وعند وصولنا إلى مطار الدمام في السعودية، الفرق شاسع : الانسياب في الإجراءات، وضوح المسارات، حفاوة الاستقبال، وتنظيم المسافرين ، كل ذلك يعكس فلسفة دولة مختلفة : دولة تصنع نظامًا، وتحوّل التعقيد البشري إلى إدارة دقيقة، وتضع الإنسان في مقدمة اهتمامها.
خارج المطار، الصورة أكثر وضوحاً ، التنظيم الإداري ثقافة عامة. الأسواق لا تُدار فقط بمنطق الربح، بل بمنظومة تنافسية تخفض الأسعار وتمنح المستهلك قدرة حقيقية على الاختيار. حتى العمرة ، في مكة المكرمة والمدينة المنورة، لم تعد مجرد شعيرة تؤدى، بل تجربة متكاملة تُدار بأعلى درجات الدقة والانضباط ، حيث يتحول التفويج والتنظيم إلى علم قائم بذاته، يوازن بين الروحانية والكفاءة وجودة الخدمة .
هذا الفارق لا يقتصر على الخدمات اليومية، بل يمتد إلى إدارة المخاطر الإقليمية. ففي ظل الحرب الإيرانية الأمريكية، ظلّت المملكة تتحكم في ردود الأفعال بعقلٍ بارد، عبر منظومات إنذار دقيقة عبر رسائل الهواتف للمواطنين وتحكم مستمر في المواقف، ما يعكس قدرة مؤسسية عالية، وحرصًا واضحًا على أمن الناس وحياتهم، سواء كانوا مواطنين أو مقيمين.
هذا النظام ليس وليد الصدفة، بل نتاج رؤية استراتيجية واضحة للنهضة ، رؤية السعودية 2030، حيث تُدار الخدمات العامة والكفاءة المؤسسية لتلبية الاحتياجات اليومية، بجانب بناء الثقة المستمر بين الدولة والمجتمع.
هذا الفارق يكشف : أزمة بلادنا ليست فقط في تدهور الخدمات بعد الحرب، بل في هشاشة البنيات الخدمية وسلوك الدولة. الحرب لم تُنتج الفوضى، بل كشفت هشاشة الدولة، وغياب التخطيط الاستراتيجي، واعتماد الإدارة على الأفراد أكثر من المؤسسات، وعلى ردود الفعل أكثر من المبادرة.
المقارنة تكشف عمق أزمتنا: الحرب لم تُسقط الدولة، بل أظهرت هشاشتها. فالاختلال الإداري كان موجودًا قبل الحرب، لكنه أصبح واضحًا بعد ذلك. عند عودتنا إلى مطار بورتسودان، تكثف هذا الواقع في مشهد أليم : ازدحام ، سيور أمتعة معطلة، إجراءات جمركية معقدة، انتظار طويل بلا تفسير، ثم أحد العاملين جاء بكل برود طالبا منا الخروج من الصالة لأنه سوف يطفئ الأنوار، ما يحوّل الأزمة اليومية إلى أزمة: دولة غائبة عن دورها، لذلك تترك الفراغ للفوضى، وتفشل في إدارة أبسط تفاصيل حياة الناس.
الفوضى تتجاوز التنظيم لتصل إلى اقتصاد الخدمة، حيث أدوات نقل الأمتعة ” الدرداقات” تُدار كملكيات خاصة، وتُفرض رسوم تعسفية على المسافرين . هنا تتضح أزمة الدولة السودانية في ثلاثة أبعاد متداخلة: ضعف معنى الدولة، تآكل السلوك الإداري، وهشاشة البنية المؤسسية.
النهوض من هذه الكابوس لا يمكن أن يكون إصلاحًا جزئيًا، بل يحتاج إلى إعادة تأسيس شاملة. البداية تكون بإصلاح الخدمة المدنية، لتصبح العمود الفقري للدولة. يجب إعادة تعريف دور الموظف، ربط الأداء بالمساءلة، وتحويل الوظيفة من امتياز إلى مسؤولية. بالتوازي، يلزم تخطيط استراتيجي دقيق، يحول الأولويات الوطنية إلى أهداف قابلة للقياس والتنفيذ بمعدلات زمنية محددة، لإعادة السيطرة على إدارة الزمن والموارد. ولا غنى عن حوكمة فعالة، تضمن الشفافية، وتفعل الرقابة، وتمنع تراكم الاختلالات الصغيرة لتتحول إلى أزمات مزمنة، عبر رقمنة الخدمات، واستقلال أجهزة المراجعة، وإتاحة المعلومات للرأي العام.
في الختام وبحسب #وجه_الحقيقة، هذا المقال ليس عن مطار أو رحلة، بل عن قراءة عميقة لأزمة الدولة السودانية بعد الحرب، وعن خارطة طريق للنهوض تبدأ من الإنسان، وتستمر بالتخطيط السليم ، وتنتهي بحوكمة واضحة وفاعلة، لتعيد للدولة دورها الطبيعي في خدمة شعبها.
دمتم بخير وعافية.
السبت 28 مارس 2026 م Shglawi55@gmail.com



