وجه الحقيقة: إبراهيم شقلاوي : المسرح من الفرجة إلى الفعل

يحتفل العالم في 27 مارس من كل عام باليوم العالمي للمسرح، حيث يُختار عادة شخصية مسرحية بارزة لكتابة كلمة تُعمم على المؤسسات المسرحية. وفي السودان، قدّم البروفيسور سعد يوسف عبيد، الكاتب المسرحي والعميد الأسبق لكلية الموسيقى والدراما، كلمة الاحتفال في المركز الثقافي بأم درمان مؤكّدًا أن المسرح لم يكن يومًا مجرد عرض، بل فضاءً لوعي المجتمع ومقاومته وجسرًا للتلاحم الثقافي والاجتماعي
شهد الاحتفال حضور والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، ووكيل وزارة الثقافة والإعلام والسياحة الاتحادية د. جراهام عبدالقادر، ووزير الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم الأستاذ الطيب سعد، والمدير التنفيذي لمحلية أم درمان الأستاذ سيف الدين مختار، إلى جانب ممثل حاكم إقليم دارفور م. عمر بخيت، وجماعة إعمار المسارح ممثلة في د. طارق البحر.
رغم أن الاحتفال كان الأجدر أن يقام في مقر المسرح القومي بأم درمان لما يحمله المكان من رمزية ثقافية وتاريخية وهو جاهز لمثل هذه الفعالية
إن الاحتفاء بـاليوم العالمي للمسرح في هذا التوقيت لا يقتصر على كونه مناسبة ثقافية، بل يمتد إلى دلالات اجتماعية و سياسية. فهو يضع المسرح في السودان أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز حدود الفرجة الجمالية لتصل إلى المسؤولية الأخلاقية، ليؤدي دوره الحقيقي كقوة فاعلة في تشكيل الوعي والمساهمة في مشروع إعادة بناء الدولة بعد تداعيات الحرب
إن استدعاء المسرح في هذا التوقيت يحمل دلالات شتى فالدولة التي تعيد فتح منصاتها الثقافية، وتُحيي دور المسرح، إنما تُرسل رسالة في اتجاهين الأول إلى الداخل، أن الحياة العامة لم تنهار رغم الحرب، والثانية إلى الخارج، بأن السودان لا يزال قادرًا على إنتاج خطابه الثقافي وتقديم نفسه كفاعل حضاري. غير أن هذه الرسالة، على أهميتها تظل ناقصة ما لم تتحول من مجرد خطاب احتفالي إلى مشروع وعي متكامل
تاريخيًا لم يكن المسرح السوداني مجرد منصة للترفيه، بل أداة مقاومة، وفضاءً لتشكيل الوجدان الجمعي في مواجهة الاستعمار البريطاني، أسهم في تعبئة الجماهير ونيل الاستقلال وفي فترات لاحقة، خصوصًا خلال حقبة مايو، أصبح مرآة تعكس تحولات السلطة وتناقضاتها تلك المرحلة رغم تعقيداتها، أثبتت أن ازدهار المسرح لا يرتبط فقط بالحريات أو الموارد، بل بشعور المبدع بمسؤوليته تجاه مجتمعه
غير أن الواقع الراهن يكشف مفارقة لافتة: احتفاء رسمي بالمسرح، يقابله تراجع فعلي في دوره فالبنية التحتية هشة، التمويل محدود، الكفاءات تتسرب، والمشروع الثقافي الوطني يكاد يغيب. وهنا يتحول السؤال من “أين يقف المسرح؟ إلى أين موقعه في رؤية الدولة؟
من المعلوم أن ما بعد الحرب، تتضاعف أهمية المسرح كونه أداة مؤثرة في مخاطبة الجماهير فالمجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى أدوات تعيد بناء الثقة، وترمم الذاكرة، وتمنع الانزلاق نحو الانقسام. والمسرح، بما يملكه من قدرة على التفاعل، مؤهل لأن يقوم بهذا الدور
لكن هذا الدور لن يتحقق دون إعادة تعريف وظيفته: من مسرح فرجة يكتفي بعرض الألم، إلى مسرح فعل يسهم في تفسيره وتفكيكه من منصة ترفيه، إلى أداة نقد ومساءلة من نشاط موسمي، إلى مشروع وطني
حتي يتحقق ذلك يتطلب ثلاثة مسارات متوازية أولًا إعادة بناء البنية التحتية، من مسارح وكليات وبرامج تدريب ثانيًا، تحفيز الإنتاج المسرحي المرتبط بقضايا الواقع، بعيدًا عن النمطية ثالثًا استعادة دور المثقف كفاعل في التحول الاجتماعي والسياسي لا مجرد مراقب له
إن استدعاء الأعمال الخالدة أو إعادة إنتاجها يمثل خطوة مهمة لاستعادة الذاكرة، لكنه لا يكفي فالتحدي الحقيقي هو إنتاج أعمال جديدة تعكس تعقيدات الواقع وتحدياته، وتخاطب جمهورًا تغيرت أدواته واهتماماتهم
الخطر الأكبر الذي يواجه المسرح اليوم ليس نقص الإمكانات، بل غياب الرؤية. فالدول الخارجة من الحروب لا تعيد المباني، بل تبدأ بإعادة بناء الأفكار . وهنا يمكن للمسرح أن يلعب دورًا حاسمًا في إعادة هندسة الوعي إذا ما أُدرج ضمن مشروع وطني يربط الثقافة بالسياسة والتنمية
كما أن استعادة هذا الدور تتطلب مصالحة بين الأجيال المسرحيين، تجمع بين خبرة الرواد وأفكارهم وجرأة الشباب وطموحهم. بدون هذا التلاقي سيظل المسرح معلقًا بين ماضٍ يُمجّد وحاضرٍ متعثر، ومستقبل مؤجل.
ختامًا، وبحسب وجه_الحقيقة يمكن القول إن السودان يقف اليوم أمام مفترق ثقافي لا يقل أهمية عن مفترقاته الأمنية والسياسية. فإما أن يظل المسرح مجرد ديكور في مشهد الدولة أو أن يتحول إلى أحد أدوات إعادة تشكيلها. وبين الفرجة والفعل، تتحدد قيمة المسرح، لا بما يُعرض على خشبته بل بما يُحدثه في وعي الأمة
دمتم بخير وعافية
الاثنين 30 مارس 2026 م Shglawi55@gmail.com



