وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي : الدكتاتور المؤقت..؟

بالأمس استند الاستاذ عثمان ميرغني رئيس تحرير صحيفة التيار، في عموده «حديث المدينة»، الذي جاء بعنوان “مطلوب نظام دكتاتوري” إلى فكرة الحاجة إلى نظام صارم لحماية مؤسسات الدولة من الفوضى، مشيرًا إلى أهمية «السيستم الدكتاتوري» كبديل عن الدكتاتور الفرد.
هذه الفكرة علي أهميتها تتقاطع مع ما طرحته سابقًا في «وجه الحقيقة» تحت عنوان «دعونا نصنع دكتاتورًا»، لكن من زاوية مختلفة، إذ دعوتُ إلى التمكين لقيادة مؤقتة واحدة وفعالة يجتمع فيها العزم والصرامة والوطنية وقيم الفداء، قيادة لا تعرف المجاملة، تتولى إدارة البلاد خلال مرحلة استثنائية محددة زمنيًا، لإعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون وإكمال إعادة الإعمار، تمهيدًا للعودة إلى التداول الديمقراطي.
من منظور نقدي، يتفق الطرحان على ضرورة وجود سلطة مركزية قوية في لحظة انهيار الدولة، لكنهما يختلفان في الإطار المؤسسي والزمني الذي يضبط هذه القوة. فربط الحزم بالنظام مهم، غير أن أي حديث عن “نظام صارم” يظل ناقصًا ما لم تُحدد مدته، وآليات مساءلته، وحدود صلاحياته، منعًا للانزلاق. الضرورة إلى استبداد دائم ،يعيق تطور الدولة ونهضتها.
السودان اليوم يمر بمرحلة انتقالية دقيقة، تتطلب قدرًا من الحزم لفرض سيادة القانون وحماية مؤسسات الدولة من الانهيار. غير أن الحزم شيء، والطغيان شيء آخر. السلطة الاستثنائية المشروعة المحكومة بالدستور والقوانين هي التي تُعرّف نفسها بوضوح: ما أهدافها؟ ما مدتها؟ من يراقبها؟ من يقيم اداؤها وكيف تسلّم السلطة بعد انتهاء مهمتها؟
في الفلسفة السياسية أشار هوبز إلى ضرورة السلطة القابضة لحماية المجتمع من الفوضى، بينما شدد روسو على أن أي سلطة لا تستند إلى العقد الاجتماعي تفقد مشروعيتها. أما هيجل فرأى في الدولة كيانًا أخلاقيًا يعبّر عن تطور المجتمع، لا أداة للهيمنة عليه. الجمع بين هذه الرؤى يفضي إلى تصور لسلطة استثنائية عقلانية: حازمة في حماية الأمن، لكنها مقيدة بمشروع وطني واضح، وبسقف زمني محدد، وبآليات محاسبة معلنة.
تجربة سنغافورة في ستينيات القرن الماضي تقدم مثالًا قابلًا للتأمل. فقد قاد لي كوان يو عملية إعادة بناء صارمة، ركزت على الانضباط المؤسسي ومحاربة الفساد وبناء الإدارة الحديثة. لم تكن التجربة نسخة من الدكتاتوريات العسكرية، بل نموذجًا لقيادة تنموية قوية تركت مؤسسات مستدامة. الدرس هنا ليس في استنساخ التجربة، بل في فهم أن الحزم إذا ارتبط ببناء المؤسسات لا بإلغاءها، يمكن أن يكون جسرًا نحو الاستقرار.
في السودان المطلوب ليس طاغية جديدًا، بل قيادة انتقالية مسؤولة، محددة المدة — ثلاث سنوات مثلًا — تعمل وفق برنامج معلن لإعادة بناء مؤسسات الدولة، إصلاح الخدمة المدنية، فرض سيادة القانون، ومكافحة الفساد و النفوذ والجريمة، مع خارطة طريق واضحة للانتقال الديمقراطي. سلطة تبني ولا تحتكر، تحمي العقد الاجتماعي ولا تصادره.
التاريخ السوداني يبيّن أن السلطة غير المقيدة — مهما بدأت بشعارات إصلاحية — تنتهي غالبًا إلى شخصنة الدولة وتآكل مؤسساتها. لذلك فإن الفرق الجوهري ليس بين “دكتاتور” ونظام”، بل بين سلطة استثنائية مقيدة بالمؤسسات، وسلطة فردية مطلقة لا تضبطها كوابح .
باختصار، السودان لا يحتاج إلى من يحكمه بالقوة والبطش ، بل إلى من يقوده بالعقل والحكمة، يختصر الأزمات، ويعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة. ما أعنيه بـ«الدكتاتور المؤقت» ليس استبدادًا جديدًا، بل صيغة انتقالية منضبطة، تُستخدم فيها القوة لحماية القانون، لا لتعطيله، وتُمارس فيها السلطة من أجل تأسيس دولة تستمر بعد مغادرة صاحبها.
عليه وبحسب #وجه_الحقيقة فإن السلطة المؤقتة هنا ليست استبدادًا، بل أداة لإنقاذ الدولة وضمان استمرارها، مع الالتزام بالحدود الزمنية والمؤسسية. القيادة الوطنية العقلانية يمكن أن تحول مرحلة الانهيار إلى فرصة للنهوض و لإعادة الثقة بالمؤسسات، وبناء دولة قانون لا يستبد بها مزاج شخص او جماعة ، بل يحكمها مشروع وطني واضح، متوازن بين الحزم والحرية، ويترك إرثًا مؤسسيًا يبقى بعد انتهاء ولايته.
هذا هو جوهر «الدكتاتور المؤقت»: سلطةٌ انتقاليةٌ قابضةٌ لا رخوة، توظّف الحسم لبناء الدولة لا لتقويضها، وتُنشئ نظامًا مستدامًا غير طارئ، يفتح أفقًا واسعًا للطموح، ويحفّز الاستقرار، ويُكرّس وحدةً الوطن، و يعلي المصالحات المجتمعية، ويقيم الوزن بالقسط بين الناس.
دمتم بخير وعافية.
الاثنين 16 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com

