المقالات و الاعمدة

أمواج ناعمة : غاب السنوار حضرت الكوابيس : د. ياسر محجوب الحسين

قطعا سيصنع بنيامين نتنياهو رئيس وزراء حكومة الاحتلال الإسرائيلي نصراً متوهما في مخيلة الإسرائيليين بأن استشهاد يحيى السنوار زعيم حماس تمثل نصراً في إطار حربه على غزة التي آكملت عامها الأول، ليس ذلك لأن استشهاد الرجل جاء صدفة ولم يكن عملاً استخباراتياً للموساد الإسرائيلي ولا عبر عملية عسكرية لقوات خاصة وإنما عبر اشتباك عادي بين قوة من حماس كان يقودها السنوار بنفسه وبين مجموعة من مشاة جيش الاحتلال الإسرائيلي لم تعلم أصلا أن من بين القوة الفلسطينية زعيم حماس، ولكن التوهم الإسرائيلي بسبب أن استشهاد أي زعيم لحماس لم يكن يوما انتصارا للطغيان الإسرائيلي أو تعطيلا لجذوة المقاومة بل العكس تماما كان وقودا لمزيد من الفعل المقاوم. إن مسيرة المقاومة تحكي استشهاد ٩ قادة بارزين خلال العشرين عاما الماضية تطورت خلالها طرق وأساليب المقاومة وتميزت بالتكيف الاستراتيجي مع كل المتغيرات العسكرية والسياسية. في مارس ٢٠٠٤ أغتيل الزعيم الروحي لحركة حماس آحمد يسن بينما كان يغادر المسجد بعد صلاة الفجر في غزة، وفي أبريل ٢٠٠٤ أغتيل عبد العزيز الرنتيسي أحد القيادات السياسية البارزة لحماس وخليفة أحمد ياسين، وفي يناير ٢٠٠٩ أغتيل نزار ريان قائد سياسي وعسكري، وفي يناير ٢٠١٠ أغتيل محمود المبحوح قيادي في كتائب القسام ومسؤول عن شراء الأسلحة، وفي نوفمبر ٢٠١٢ أغتيل أحمد الجعبري نائب القائد العام لكتائب القسام وقائدها الفعلي، وفي مارس ٢٠١٧ أغتيل مازن فقهاء قيادي عسكري في كتائب القسام وأحد المسؤولين عن العمليات في الضفة الغربية، وفي نوفمبر ٢٠١٩ جمعة الطحلة خبير تصنيع الصواريخ وأحد قيادات القسام، وفي ذات الشهر والعام آغتيل جمعة الطحلة خبير تصنيع الصواريخ وأحد قيادات القسام، وفي يوليو من ذلك العام (٢٠٢٤) أغتيل إسماعيل هنية سلف السنوار في قيادة حماس.
والسنوار هو أحد مؤسسي كتائب عز الدين القسام، وأصبح زعيماً لحركة حماس في قطاع غزة منذ عام 2017. وُلد في خان يونس عام 1962، وكان منذ شبابه ناشطاً في صفوف الحركة الإسلامية الفلسطينية. سُجن لسنوات طويلة في السجون الإسرائيلية بتهم تتعلق بالمشاركة في أعمال المقاومة، بيد أنه تم الإفراج عنه في صفقة تبادل الأسرى الشهيرة العام 2011. بعد خروجه، تولى السنوار مسؤوليات قيادية متقدمة في الحركة، حيث أظهر كفاءة في إدارة الشؤون العسكرية والسياسية، وساهم في صياغة استراتيجية حماس في مواجهة إسرائيل، سواء على المستوى العسكري أو الدبلوماسي، ومؤخرا خطط وقاد عملية طوفان الأقصى التي انطلقت شرارتها في أكتوبر من العام الماضي. إن عملية اغتيال القادة السياسيين والعسكريين تعتبر نقطة محورية في الصراعات المسلحة، وخاصة عندما تكون هذه الشخصيات مؤثرة في قيادة المقاومة. واغتيال السنوار، يأتي كحدث له تداعيات استراتيجية وإيجابية – لجهة المقاومة – على الحرب المستمرة بين المقاومة الفلسطينية والإحتلال الإسرائيل. فالسنوار ليس فقط قائداً عسكرياً؛ بل يمثل وجهاً سياسياً بارزاً في حماس، مما يجعل اغتياله تطوراً مهماً ينبغي النظر إليه من عدة جوانب.
من الواضح أن الإحتلال الإسرائيلي رأى في السنوار تهديداً وجودياً، خصوصاً أذ قاد حماس في فترة شهدت تصاعداً في الهجمات الصاروخية والمواجهات العسكرية مع إسرائيل٫ وخططت إسرائيل بالفعل لإغتياله وجعلت ذلك أحد أهداف حرب الإبادة التي تقودها في غزة الصامدة. هذا بالإضافة إلى دوره العسكري، فقد كان يمثل شخصية محورية في المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل بخصوص التهدئة وإطلاق سراح الأسرى، وهذا يزيد من تعقيد مكانته ويجعله هدفاً ذا أولوية. إن إسرائيل تعتقد أن عملية اغتيال الرجل تعني إضعاف القيادة الميدانية لحماس وخلق حالة من الارتباك داخل صفوف الحركة. فمن خلال اغتيال قائد بمكانة السنوار، تظن إسرائيل أنها قد تحدث فراغا في القيادة، مما قد ينعكس على القدرة التنظيمية والإدارية للحركة في وقت حساس من الحرب. هـذا فضلا عن الأهداف التكتيكية لنتنياهو ليبقى في القيادة السياسية لدولة الاحتلال ومحاولته تغطية إخفاقاته الأمنية التي كشفت عورتها عملية طوفان الأقصى التي قلبت الكثير من الموازين ودحضت كثير من المسلمات لاسيما داخل دولة الاحتلال.
من يتابع مسيرة حماس يعلم أنه من المؤكد أن استشهاد السنوار لن يترك فراغاً قيادياً في الحركة لأن لها قدرة فائقة علر التكيف وتعلم أن قادتها مستهدفون لاسيما في ظرف الحرب الماثل، خاصة وأن حماس تمتلك هيكلاً قيادياً هرميًا ومتعدد المستويات، مما يجعلها قادرة على تعويض القادة المفقودين بسرعة. قد يتم تصعيد شخصيات أخرى لملء الفراغ، مثل صلاح العاروري أو محمد الضيف، الذي يعد قائداً عسكرياً بارزاً وقد أثبت كفاءته في إدارة العمليات العسكرية ضد إسرائيل. ولطالما واجهت حماس كل التحديات وحافظت على تماسكها واستمرارية العمليات بنفس الكفاءة. من جانب آخر فإن اغتيال السنوار سيأتي برياح لا تشتهيها حكومة نتنياهو، إذ قد يؤدي ذلك إلى تصعيد عمليات حماس بشكل أكبر، فمن المحتمل وربما المؤكد أن ترد حماس بعمليات جريئة. وقد يشمل ذلك تكثيف إطلاق الصواريخ على مدن دولة الاحتلال أو تنفيذ عمليات نوعية في عمق الأراضي المحتلة. وستكون هذه العمليات رسالة مفادها أن اغتيال القادة لن يفت في عضد المقاومة، بل سيعجم عودها ويزيدها قوة وصلابة.
على الصعيد الخارجي، سيؤدي اغتيال السنوار إلى تعزيز الدعم الإقليمي لحركة حماس، وستجد بعض الدول العربية التي تبنت موقفاً حيادياً أو داعماً لإسرائيل في موقف لا تحسد عليه تحت ضغوط إعلامية وشعبية متزايدة لتغيير موقفها. دوليا فإن عملية الاغتيال ستركز من تسليط الضوء على عبثية الحرب الإسرائيلية في غزة، الأمر الذي سيؤدي إلى تكثيف التحركات الدبلوماسية الضاغطة على إسرائيل. وعلى عكس ما يظن نتنياهو بأن هـذا الاغتيال غير المقصود سيدفع جهود توقيع صفقة لإطلاق الأسرى ويكون ذلك سببا لإعلان نهاية الحرب وتحقيق أهدافها، فإن استشهاد قائد مهم مثل السنوار قد يطيل أمد الحرب، مما يعني أن محاولات إنقاذ إسرائيل من ورطتها في غزة ستبوء كلها بالفشل المؤكد.
إن عملية استشهاد السنوار تبدو تطورا خطيرا في الصراع مع المحتل الإسرائيلي، وتعكس تصعيداً جديداً في المواجهة بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الإسرائيلي الغاشم. إن تداعيات ذلك سيظهر على مستويات عدة: عسكرياً، استراتيجياً، وإنسانياً. ورغم أن إسرائيل قد ترى في اغتياله نجاحاً تكتيكياً، إلا أن التاريخ يشير إلى أن مثل هذه العمليات ستؤدي إلى تطاول ليل إسرائيل المليئ بالكوابيس والعزلة الدولية فضلا عن صواريخ حماس في عمق مدن الاحتلال.

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى