الراي

د. ياسر عوض يكتب.. القبيلة (tribe) و القبلية (tribalism) الإختلاف والخلاف

تتكون الدول عادة من قبائل و شعوب مختلفة وهذا امر طبيعي ، ومن مهام الدولة الأساسية هي إدارة هذا التنوع والاختلاف ودمجه من خلال مشروع وطني يعمل على نهضه و تقويه الدولة لا ضعفها كما هو الحال الآن في السودان، والذي يعمل على حماية هذا المشروع الوطني وعدم اختراقه هو الأمن القومي (صمام امان الدولة) .
والذي يلقى نظرة سريعة و فاحصة على الدول العظمى، خاصة الولايات المتحده و الصين الشعبية، يستطيع أن يدرك بأن تفوق هذه الدول انما هو ناتج عن إدارة التنوع و الاختلاف ، وان هذه الدول لا تنظر للاختلاف على أنه سبب أساسي للصراع وإنما هو سبب أساسي للتكامل وتفوق على الدول الأخرى.
تعتمد اميركا على برنامج الهجرة السنوي و الهجرة ليست محصورة على دولة معينة و انما هي من مختلف الأجناس و الشعوب و القبائل جميعهم لديهم ثقافات مختلفة ، وعدد سكان أميركا يتجاوز (240) مليون نسمة، فيهم الأفارقة و الاسيوين ج و العرب و الأوروبيون وغير ذلك، باختصار كل القبائل و الشعوب والأمم هناك.
كما يوجد في الصين (56) قومية، وينطوي تحت هذه القوميات الآلاف من القبائل و العرقيات و الأجناس المختلفة.
وعدد سكان الصين يقارب مليار وستمائة مليون نسمة، وهي ثاني اقتصاديات في العالم، واعلى معدل تنموي واقتصادي في العالم بأسره ، وإذا استمر الوضع على ما عليه سوف تصبح الدولة الأولى العالم.

برغم ان عدد سكان دولة السودان لا يتجاوز (47) مليون نسمة وهي نسبة ضئيلة بالمقارنة مع عدد سكان دولة الصين و لا تتجاوز نسبة سكان السودان 2٪ من سكان الصين، لكن هناك بعض من الساسة و القيادات ذات الأصوات المسموعة تروج بوعي او بدون وعي بأن مشكلة السودان الأساسية ناتجة من كثرة وتعدد القبائل المختلفة التي يصعب اتفاقها و من ثم إدارتها وعليه لا حل الا الإنفصال لأن سياسة التراضي او الترضية السياسية التي داومت عليها الدولة السودان عبر التاريخ ماهي إلا ذيادة الألام إلى ما لا نهاية، وفي نهاية المطاف سوف تصل كل تلك التسويات و الترضيات السياسية إلى النهايه الحتمية (فصل وإنفصال أجزاء من هذا السودان) كما حصل مع دولة جنوب السودان ، كأنهم يؤمنون أيضا بلا وعي بظاهرة (النبوة التي تحقق نفسها) (self-fulling prophecy) .
ظاهرة (النبوة التي تحقق نفسها) (self-fulling-prophency) ، هي ظاهرة نفسية واجتماعية تقوم على صناعه و تغذيه المخاوف لدي الجماعة او فئة معينة من الناس، وعادة تعتمد على لفت الانتباه بأن هناك امر مخيف وخطير سوف يحدث ومن ثم يقمون على تأكيد وصناعة هذه المخاوف حتى يتم تحقيق هذا الأمر على أرض الواقع، وعن طريق الجهل نعتقد كأنما تلك النبوة قد حققت نفسها من غير اي تدخل خارجي منا . فناخذ مثالا لتوضيح خطر هذه الظاهرة وكيف تعمل؟ . نفترض بأن هناك بنك حسن السمعة و مستقر ولديه كمية من زبائن متزايدة، وفجأة خرج لنا نفر من الناس الذين نثق فيهم و قالوا لنا بأن هذا البنك قادم على الإفلاس! فانتشر هذا الخبر… حتى غذي مخاوف الزبائن….. ومن ثم قام بعض الزبائن بسحب كل أموالهم من البنك….وهكذا توالي الأمر حتى سحب كل الزبائن اموالهم ونتيجة لذلك أعلن البنك عن افلاسه التام وتمت النبوة.
ظاهرة النبوة تحقق نفسها تشبة لحد كبير ظاهرة الأمنية (securizing) في الأمن التي تحدث عنها العالم الأميركي بوزان و هي ظاهرة غير موضوعية يتم من خلالها نسج وصناعة المخاوف و يتخذها بعض الساسة لذيادة السيطرة على من يريدون السيطرة عليهم. و بعض شعارات هذه الظاهرة مثل: سوف يتم ابادتنا… نحن الان في خطر …. نحن مستهدفون.. وغير ذلك من نفس شاكلة الشعارات ..التي ينسجها بعض الساسة من أجل التحكم على بعض الفئات وتقويض حريتهم.

الذي ينظر بعمق لنشاة ظاهرة القبلية (tribalism) فى السودان يرى انها نشأت من خلال تعظيم المخاوف او المصالح السياسية او الاثنان معا. إذا عجزت الدولة عن حماية الأشخاص على المستوى الجسدي او الروحي ، سوف يبحثون عن من يحميهم ، وإذا اعطت الدولة سلاح للبعض، سوف يخاف الآخرون… واذا عجزت الدولة عن تلبية احتياجات البعض، سوف يطيعون من يلبى لهم تلك الحوجات. ولذلك هذه الظاهرة تنمو في غياب الأمن و التنمية و وتعمل تدريجيا على تقليص الانتماء للوطن وتقليص مصلحة الوطن وعليه احتلت القبلية مكان الوطنية وانتشرت واصبحت الآلية الفعالة التي تحقق مصالح جماعة بعينها، و لم يسلم من سرطانها حتى المجتمع المدني و الاحزاب السياسية، وهي وسيلة ناجحة في يدي الساسة، ولقد أدرك د. نافع هذ المرض السرطاني متأخرا عندما صرح قائلا بأن القبلية أصبحت عائقا في حزب المؤتمر الوطني.

يختلف الناس في درجة الشعور الانتمائي للدولة، وداخل كل دولة توجد دوائر انتماء مختلفة. هناك من يهتم بنفسه فقط ولا يتجاوزها ، هناك من يمتد اهتمامه و يشمل اسرته ولا يتجاوزها ، هناك من يمتد اهتمامه و يشمل الاقارب ولا يتجاوزهم، هناك من يمتد اهتمامه ويشمل القبيلة و لايتجاوزها، وهناك من يمتد اهتمامه ويشمل الدولة … وهذه الدوائر الانتمائية تحدد درجة الأنانية وحب الوطن عند الساسة و القيادات، ومن خلال تحليل هذه الدوائر الانتمائة، أدرك هتلر مخاطر اليهود في المانيا وكيف انهم يعملون على مصالحهم بعيدا عن المصلحة الكلية لألمانيا.
ودرجة الانتماء للوطن وحب الوطن يسسها المشروع الوطني من خلال برنامج التوعية الوطنية الذي يظهر قيمة الوطن و تجلياته من خلال السرد التاريخي وربطة الجغرافية الذي يعلي من هذه القيمة، و كيف يحب المواطن وطنه ويدافع عنه وهو يجهل تاريخه و جغرافيته؟
نواصل ان شاء الله
السبت 13 يوليو 2024م

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى