بلال ميرغني يوسف يكتب… النيل الأبيض تتطلع إلى قيادة جديدة تعبر عن تطلعات أهلها

تمر ولاية النيل الأبيض بمرحلة دقيقة تتطلب قيادة تمتلك رؤية واضحة وقدرة حقيقية على إدارة موارد الولاية وتوجيهها نحو أولويات المواطن الأساسية. غير أن الواقع اليوم يعكس صورة مقلقة لولاية غنية بمواردها وإمكاناتها، لكنها تدار بعقلية بسيطة لا تواكب حجم التحديات ولا تستثمر الفرص المتاحة للنهوض بها.
إن أي حكومة مسؤولة تبدأ بتحديد أولويات التنمية الحقيقية، وفي مقدمتها الطرق والمياه والصحة والتعليم والزراعة. ففي كثير من محليات الولاية تعاني الطرق من الإهمال وتحتاج إلى ردميات وصيانة عاجلة حتى يتمكن المواطن من التنقل وقضاء مصالحه، خاصة في المناطق الريفية التي تتحول طرقها في موسم الأمطار إلى معاناة يومية للأهالي.
كما أن أزمة المياه ما تزال قائمة في عدد من المناطق التي تفتقر إلى مصادر مياه مستقرة وصالحة للشرب، وهو أمر يثقل كاهل المواطنين ويؤثر على استقرار المجتمعات المحلية.
وفي قطاع الصحة، تواجه العديد من المرافق الصحية نقصاً في الإمكانيات والخدمات الأساسية، بينما يعاني قطاع التعليم من مشكلات واضحة في البنية التحتية للمدارس وضعف الدعم المؤسسي، الأمر الذي ينعكس سلباً على مستقبل الأجيال القادمة.
أما القطاع الزراعي، الذي يعد العمود الفقري لاقتصاد ولاية النيل الأبيض، فهو الآخر يحتاج إلى رؤية واضحة وبرامج دعم حقيقية للمزارعين، خاصة في ظل التحديات المناخية التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي.
ومن المفترض أن تتحرك حكومة الولاية بجدية نحو مشاريع التكيف المناخي، والاستفادة من الفرص المتاحة عبر المنظمات الدولية والجهات المانحة التي تمول برامج مرتبطة بالزراعة المستدامة وإدارة الموارد المائية والبيئية. غير أن غياب التنسيق وعدم وجود اتفاقيات أو شراكات حقيقية مع هذه الجهات حرم الولاية من فرص كبيرة كان يمكن أن تسهم في تمويل مشاريع تنموية تخدم المواطنين في مختلف المحليات.
ورغم كل هذه التحديات الكبرى، فوجئ الرأي العام بمقطع فيديو متداول يظهر فيه والي الولاية وهو يقوم بتوبيخ وزير التعليم الطيب علي عيسى بسبب عدم إعادة بناء حائط مدرسة في مدينة كوستي. ورغم أهمية الاهتمام بالبنية التحتية للمدارس، إلا أن مثل هذه المشاهد تعكس خللاً واضحاً في ترتيب الأولويات، في وقت تعاني فيه الولاية بأكملها من قضايا أكبر وأكثر إلحاحاً تتعلق بالصحة والمياه والزراعة والتعليم في مختلف المحليات.
كما أن التوازن في التنمية بين مناطق الولاية يكاد يكون غائباً، حيث تتركز معظم الإمكانيات والاهتمام في حدود كوستي وربك، بينما تعاني مناطق أخرى، خاصة في شمال الولاية مثل محليتي أم رمتة والقطينة، من ضعف واضح في الخدمات والتنمية والتمثيل داخل مؤسسات حكومة الولاية.
ومن المؤسف أيضاً ما حدث في منطقة شكيري، حيث فقدت المنطقة 18 شهيداً نتيجة هجوم بطائرة مسيرة لمليشيات الدعم السريع استهدفت مدرسة شكيري. وقد وصل رئيس مجلس السيادة إلى القرية ووقف مع أهلها في محنتهم، بينما لم يصل والي الولاية إلى المنطقة، وهو أمر ترك أثراً سلبياً كبيراً لدى المواطنين الذين كانوا ينتظرون حضور قيادتهم المحلية في مثل هذه اللحظات الصعبة.
إن المشكلة لا تتوقف عند حدود الأداء الإداري فقط، بل تمتد أيضاً إلى طريقة اختيار القيادات الولائية، حيث يتم في كثير من الأحيان فرض شخصيات من قبل المركز دون الرجوع إلى رغبة أهل الولاية أو قياداتها المجتمعية، وهو أمر قد يؤدي إلى إضعاف الثقة بين المجتمع والسلطة، بل وقد يساهم في تفتيت النسيج الاجتماعي إذا استمر تجاهل صوت المواطنين.
وبالأرقام والواقع الماثل أمام الجميع، فإن أداء الوالي الحالي لا يعكس طموحات أهل النيل الأبيض، ولا يرقى إلى مستوى قيادة ولاية تمتلك هذا القدر من الموارد والفرص. فغياب الرؤية التنموية، وضعف التنسيق مع الجهات الدولية، وتراجع مستوى الخدمات الأساسية، كلها مؤشرات تؤكد أن الولاية تحتاج إلى مراجعة حقيقية وتغيير في طريقة الإدارة والقيادة.
إن ولاية النيل الأبيض ليست ولاية فقيرة الإمكانيات، بل هي ولاية غنية بمواردها الزراعية وموقعها الجغرافي وفرصها الاستثمارية. وما تحتاجه اليوم هو قيادة تمثل الطيف الواسع من أهلها، وتعمل على استقطاب الاستثمار والشراكات الدولية، وتضع خطة تنموية عادلة تشمل جميع محليات الولاية دون استثناء.
فالتغيير سنة من سنن الحياة، وهو ليس أمراً جديداً عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك، بل ضرورة لضمان توفير الأمن الإنساني والمجتمعي لمواطني ولاية النيل الأبيض الذي فشل الوالي في تحقيقه منذ تعيينه.
وفي نهاية القول، فإن الزمن لا يقف عند أحد، ولا يوجد منصب دائم أو سلطة خالدة. فالتغيير سنة من سنن الحياة، وما لا يحدث اليوم قد يحدث غداً. والأفضل للجميع أن تتم الاستجابة لصوت أهل ولاية النيل الأبيض وتطلعاتهم قبل أن تفرض الوقائع نفسها.
حسبنا الله وكفى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

