السودان… الصخرة التي تكسّرت عندها القواعد الإسرائيلية وفشل إدارة الفوضى بالوكالة محطات ذهبية : ابوبكر معتصم محمد

لم يكن الطموح الإسرائيلي في الشرق الأوسط وليد اليوم أو عابرا بل قام على اسس ممنهجة طويلة الامد مبنية على مبدأ واضح بهدف تكسير اجنحة المجتمعات و منعها من تشكيل دول قوية ذات سيادة وطنية خالصة في المحيط المجاور لها مستخدمة لتحقيق ذلك كل الوسائل بكامل امكاناتها حتى ولو كان الثمن تعطيل التنمية و إشعال الصراعات المستديمة وإغراق الدول في فوضى مدارة وفي هذا الإطار يظهر السودان بوصفه حالة تفضح هذا الامر وصخرة صلبة تحطمت عندها اغلب القواعد و المخططات الإسرائيلية سواء في صورتها المباشرة أو عبر وكلاء إقليميين
فالسودان يملك من المقومات ما يجعله لاعبا إقليميا مؤثرا اذا وجد الاستقرار بناء على موقعه الجغرافي حيث يتحكم في بوابة البحر الأحمر و يقع في عمق أفريقي عربي و استراتيجي مميز و يمتلك موارد زراعية ومعدنية ومائية كفيلة بوضعه في مصاف الدول الاقتصادية المقتدرة وهذه الحقيقة بالذات هي التي جعلت السودان هدفا للتعطيل لا للشراكة فالدولة السودانية القوية لا تخدم الحسابات الإسرائيلية ولا تنسجم مع منظومة الهيمنة التي تفضّل دولا هشة يسهل توجيهها
على مدى سنوات لم يقتصر الدور الإسرائيلي على العمل الأمني الخفي أو الاختراق السياسي بل امتد إلى تعطيل المشروعات الاستراتيجية وضرب فرص النهوض الاقتصادي وإبقاء السودان في حالة انتقال دائم بلا أفق فكل مشروع وطني جامع وكل محاولة لبناء اقتصاد منتج مستقل كانت تواجَه إما بالإفشال المباشر أو بإشعال تناقضات داخلية تعيد البلاد إلى نقطة الصفر
وفي المرحلة الراهنة انتقل هذا الدور إلى مستوى أكثر خطورة عبر إدارة الصراع بالوكالة فقد برزت الإمارات كقناة إقليمية فاعلة لتقاطع مصالح تخدم موضوعيا الرؤية الإسرائيلية في السودان لا يتعلق الأمر بشعارات أو تحالفات معلنة بل بدعم قوى محلية وتمويل شبكات نفوذ، والتدخل في الاقتصاد والسياسة بطريقة تبقي الدولة السودانية ضعيفة منقسمة وعاجزة عن امتلاك قرارها السيادي هذه الوكالة الإقليمية وفّرت لاسرائيل غطاء مريحا وسمحت لها بجني المكاسب دون تحمل كلفة الظهور المباشر
غير أن ما أخطأ فيه هذا المخطط هو الاستخفاف بخصوصية السودان فالتاريخ والوعي الشعبي وعمق الانتماء الوطني جعلت من الصعب تمرير مشاريع الهيمنة بسلاسة صحيح أن السودان يدفع ثمنا باهظا اليوم لكن الثابت أن كل محاولات إخضاعه عبر الفوضى فشلت في إنتاج بديل مستقر يخدم الاجندة الاسرائيلية فإدارة الخراب قد تطيل الأزمة لكنها لا تصنع دولة تابعة موثوقة
وهنا لا بد من توجيه رسالة صريحة إلى المجتمع الدولي بأن استقرار السودان ليس شأنا محليا ولا ملفا هامشيا فالدولة السودانية ذات السيادة المستقرة والموحدة تمثل فرصة حقيقية للعالم لا عبئا عليه و عليه كذلك ان يعي ان السودان قادر على أن يكون شريكا دوليا في الأمن الغذائي وممرا تجاريا آمنا ومصدرا موثوقا للموارد إذا ما أُتيح له الخروج من دائرة محاولات التوظيف والصراعات بالوكالة
إن الرهان على الفوضى في السودان رهان خاسر أخلاقيا أما الرهان المميز و المطلوب فهو دعم قيام دولة سودانية قوية و قادرة على بناء شراكات سياسية واقتصادية حقيقية تقوم على المصالح المتبادلة لا على الاستغلال. فالسودان المستقر لا يخدم شعبه فقط بل يخدم الإقليم والعالم بأسره

