بالمعقول : الباقر عثمان عكاشه : الغدار تاريخ منسي وتنمية غائبة

حتى تسعينيات القرن الماضي كانت دنقلا حاضرة الولاية الشمالية مدينة هادئة تغلق أسواقها قبل صلاة العصر وتقتصر حركتها على المرافق الحيوية القليلة وكان الوصول إليها من المناطق القريبة لا سيما من شرق النيل والبرقيق والقولد يشكل تحديً كبيرا بسبب وعورة الطرق وانتشار الكثبان الرملية والمناطق الطينية، مما جعل التواصل بين القرى والمدن أمرا في غاية الصعوبة
ومع تطور البنية التحتية وربط دنقلا بشبكة طرق حديثة تغير المشهد كليا فقد ساهمت هذه الطرق في تقريب المسافات بين محليات دنقلا الكبرى (دنقلا – القولد – البرقيق)، مما أدى إلى تعزيز النشاط التجاري وجعل هذه المدن مراكز اقتصادية نابضة بالحياة مما انعكس إيجابا على حياة السكان من حيث سهولة التنقل وتوفر الخدمات.
لم تقتصر فوائد الطرق على تحسين الحركة فحسب بل أدت إلى تحولات كبيرة في نمط الإنتاج والمعيشة حيث شجعت المزارعين على استثمار أراضيهم في زراعة المحاصيل مما أسهم في وفرة الخضروات والفاكهة التي كانت نادرة في الماضي بسبب غياب الأسواق المنظمة ومع افتتاح كبري السليم، توسّعت مدينة دنقلا أفقيا ورأسيا مما عزز الحركة التجارية وربط مناطق المحس بالنشاط الاقتصادي فتحولت إلى جزء حيوي من دورة التسوق والتجارة في المدينة..
قادني قلمي ليكتب عن دنقلا لتشابه الجغرافيا والتضاريس قبل النهضة مع وحدة الغدار الادارية( دنقلا العجوز التي تشرفت بزيارتها مع وفد حكومة الولاية برئاسة السيد والي الولاية الأستاذ عابدين عوض الله فخلال زيارتي لوحدة الغدار (دنقلا العجوز) واجهتنا رحلة شاقة عبر طريق وعر تكسوه الكثبان الرملية والصخور مرورا بالوديان والحشائش مما جعله صعبا ومنهكا للمسافرين رغم أن هذه الأرض تمتلك مقومات زراعية واعدة ورغم التاريخ العريق للغدار إلا أنها لم تحظَ بنصيبها من التنمية فظلت متأخرة مقارنة ببقية الوحدات الإدارية في دنقلا الكبرى ولولا مواردها البشرية لربما كانت طيفا منسيا.فحين يصبح افتتاح محطة مياه حدثا استثنائيا يُطرب له المواطنون فذلك دليل واضح على مدى الإهمال الذي عانت منه المنطقة لعقود. فقد كانت الغدار في الماضي مركزا سياسيا واقتصاديا ودينيا وعاصمة لمملكة المقرة قبل أن يتراجع دورها تاركا المجال للمناطق الأكثر نموا.( حضارات سادت ثم بادت)
اليوم، يضع سكان الغدار آمالهم على طريق ناوا السليم إيمانًا منهم بأن الطريق هو المفتاح الحقيقي للتنمية وعودة الطيور المهاجرة إلى مسقط رأسها وهم يثمنون جهود وزير التخطيط المهندس سيد أحمد فقيري ليرى الطريق النور ويترقبون بفارغ الصبر تحرك شركة ذادنا لإنجاز هذا المشروع الحيوي حتى لا تبقى وحدة الغدار خارج دائرة التنمية.
فالطرق ليست مجرد مشاريع بنية تحتية بل هي شرايين حياة تفتح أبواب التنمية وتعيد رسم خريطة الاقتصاد كما الحال في دنقلا فرغم انها المدينة التاريخية الأثرية الشاهدة على مجد الأجداد لكن بلا سياح وتزروها الرياح والرمال في ظل غياب البنية التحتية السياحية.
التنمية لا تزال حلما مؤجلا لكثير من أحياء المحلية فهل تستجيب هيئة الطرق والجسور لهذا النداء العاجل ليصبح الحلم حقيقة أم سيظل الطريق عالقا في قائمة الانتظار؟

