همس البوادي : سعاد سلامة : حين تتحوّل الأمانة إلى جريمة… العدالة تنتصر لطفولةٍ منتهكة

هزّ الرأي العام خبرُ إدانة أحد المعلّمين بمدينة الأبيض في جريمة اعتداء جنسي على طفلة تبلغ من العمر ست سنوات في واقعةٍ مثّلت صدمةً قاسية للمجتمع وأعادت إلى الواجهة أسئلة موجعة حول أمان الأطفال داخل الفضاءات التعليمية وحدود الثقة ومسؤولية الدولة والمجتمع في الحماية والمساءلة.
وبعد استكمال إجراءات التحقيق ثبتت الجريمة في حقّ المتهم بحكمٍ قضائي نهائي حيث قضت المحكمة المختصة بسجنه عشر سنوات في رسالةٍ واضحة تؤكد أن القانون يقف بحزم إلى جانب الضحايا وأن لا أحد فوق المساءلة مهما كان موقعه أو صفته المهنية
هذه الجريمة لا تمثل اعتداءً فرديًا فحسب بل انتهاكًا مركّبًا اعتداء على طفولةٍ بريئة وخيانة لأمانة المهنة وانتهاك صارخ للقيم التربوية والإنسانية التي تقوم عليها رسالة التعليم فالمعلّم أيًّا كان موقعه مؤتمن على عقول الصغار ونفوسهم قبل أن يكون ناقلًا للمعرفة وما ارتُكب في هذه القضية يضرب جوهر الرسالة التربوية في مقتل
إن أخطر ما في مثل هذه الجرائم أنها تترك آثارًا نفسية عميقة وطويلة الأمد على الضحايا وأسرهم وقد تمتد تبعاتها إلى فقدان الثقة في المؤسسات التعليمية إن لم تُواجَه بحزمٍ وعدالةٍ وشفافية فالطفل الذي يُفترض أن يجد في المدرسة الأمان يتحوّل فجأة إلى ضحية خوفٍ وصمتٍ وألمٍ يصعب ترميمه
وقد شكّل الحكم الصادر انتصارًا لمبدأ سيادة القانون ودليلًا على استقلالية القضاء وعدالته في إنصاف الضحايا بعيدًا عن المجاملات أو الاعتبارات الاجتماعية فالعدالة حين تُنجَز لا تُعيد الزمن لكنها تُعيد الاعتبار وتؤسس لردعٍ حقيقي يحمي المجتمع ويصون كرامة أفراده وفي مقدمتهم الأطفال.
وفي موازاة المسار القضائي تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة سياسات الحماية داخل المدارس بدءًا من إجراءات الاختيار والمتابعة مرورًا بالتدريب الصارخ على أخلاقيات المهنة وتفعيل آليات الإبلاغ الآمن وتعزيز دور الإرشاد النفسي وصولًا إلى إشراك الأسرة في منظومة الوقاية.
كما لا بد من كسر حاجز الصمت الاجتماعي والتأكيد أن الإبلاغ عن الانتهاكات واجب أخلاقي لا وصمة
كانت صغيرةً على الخوف وأصغر من الوجع لكن قلبها حمل ما لا يُحتمل. بكت بصمتٍ طويل حتى سمعها العدل، فمدّ لها القانون يده وقال: لستِ وحدك.
اليوم لم تُشفَ الجراح كلها لكن الحق احتضن طفولتها وأعاد إليها شيئًا من الأمان لتكبر وهي تعرف أن هناك عالمًا يمكن أن يحمي الصغار ولو بعد ألم.
إن هذه القضية رغم قسوتها تؤكد أن العدالة قادرة على الانتصار للطفولة متى ما وُجد القانون وفعّلت المؤسسات دورها فحماية الأطفال ليست مسؤولية القضاء وحده بل واجب الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع بأسره.
فاصلة
لا بد من بناء بيئات تعليمية آمنة تُحاط فيها الطفولة بسياجٍ من الرقابة والوعي وتُغرس فيها ثقافة الإبلاغ دون خوف أو خجل ويُكسر فيها الصمت الذي يغذّي الجرائم بدل أن يمنعها
إن الطفل لا يملك أدوات الدفاع عن نفسه لكن المجتمع يملك القوة لحمايته وكل تهاون في مواجهة الاعتداءات هو مشاركة غير مباشرة في استمرارها.
فليكن موقفنا واحدًا الطفولة خط أحمر والعدالة حق وسيادة القانون ضمانة المجتمع.
اللهم أمنا في أوطاننا



