الراي

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي : النخب السودانية والفرصة الأخيرة

هل تستطيع النخب السودانية الانتقال من السياسة الكلامية إلى السياسة المنتجة؟ هذا السؤال بات جوهر المأزق الوطني كله . فالسودان لا يواجه أزمة حكم تقليدية، ولا خلافًا سياسيًا عاديا، بل يقف أمام اختبار تاريخي يتعلق بوظيفة النخبة نفسها: هل هي أداة صراع أم رافعة دولة؟ وهل ما تزال قادرة على التعلم من تجاربها الفاشلة ، أم أنها أسيرة خطابها القديم الذي قاد البلاد إلى الحرب؟

منذ سقوط نظام عمر البشير في عام 2019، وُضعت النخب السودانية أمام فرصة نادرة لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، تتجاوز إرث التمكين والحروب والتهميش. غير أن هذه اللحظة أُديرت بعقلية الغنيمة لا بعقلية العقد الاجتماعي. فبدل الانتقال من منطق الخصومة إلى منطق الشراكة الوطنية، طغت ذهنية الإقصاء، وجرى التعامل مع التحول السياسي كانتصار لفريق على آخر، لا كعملية إعادة بناء شاملة للدولة .

هنا بدأ الفشل الأول. لم تفشل النخب لأنها افتقرت إلى الخطاب، بل لأنها عجزت عن تحويل الخطاب إلى سياسة عامة، وإلى برنامج حكم، وإلى مؤسسات قادرة على التغيير. رُفعت شعارات الحرية والسلام والعدالة، لكن الممارسة انزلقت سريعًا إلى الانتقام السياسي. وبدل ترسيخ سيادة القانون، جرى تفريغه من محتواه، فأصبحت الدولة تُدار بالأشخاص لا بالمؤسسات، وبالولاءات لا بالقواعد. ومع هذا الانزلاق، تآكلت الشرعية الأخلاقية للسلطة الانتقالية، وتبددت ثقة قطاعات واسعة من المجتمع، خصوصًا الشباب والمرأة الذين كانوا وقود التغيير وأول ضحاياه.

غير أن الفشل لم يكن أخلاقيًا فقط، بل كان بنيويًا. فالسياسة التي انفصلت عن الاقتصاد تحولت إلى فراغ. لم تقدّم النخب تصورًا جادًا للإنتاج، ولا لمعالجة أزمات المعيشة، ولا لإعادة بناء الاقتصاد المحلي. وهكذا أصبحت السياسة بلا اقتصاد، والشرعية بلا خبز، والدولة بلا وظيفة. في هذا الفراغ تمددت قوى الأمر الواقع، المسلحة وغير المسلحة، وبدأت مراكز النفوذ تملأ المساحة التي انسحبت منها الدولة المدنية العاجزة.

ثم جاءت الحلقة الأخطر: إدارة الخلاف السياسي بعقلية الإقصاء ، لا مكان للتوافق، ولا قيمة للتسوية، ولا معنى للمقاربات . كل خلاف يُقرأ كمعركة وجود، وكل تنازل يُصوَّر كخيانة. هذا السلوك لم يُقصِ الخصوم فحسب، بل أقصى فكرة الدولة نفسها، لأن الدولة لا تقوم إلا على إدارة الخلاف، لا على إلغائه. ومع انسداد أفق التوافق، فقدت الأحزاب قدرتها على ضبط الساحة السياسية ، وتحولت من أداة تنظيم إلى مصدر للتوتر والاحتقان.

في هذا السياق، جرى تفريغ مفهوم الشرعية من مضمونه الحقيقي. فبدل الاحتكام المبكر إلى الشعب عبر انتخابات أو مسار انتقالي واضح، تم التعويل على شرعية ثورية مفتوحة بلا سقف زمني، تُدار عبر تحالفات ضيقة ناقصة التفويض واتفاقات فوقية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الشرعية إلى غطاء هش، لا يحمي الدولة ولا يضبط الفاعلين، فباتت المؤسسات ضعيفة، والقرار مرتبكًا، والأمن خارج سيطرة الدولة. فانتشرت الجريمة بكل مظاهرها ، وخلقت ظروف انضاج الحرب.

عند هذه النقطة، دخل سؤال الأمن في أخطر مراحله. فالأمن ليس ملفًا تقنيًا ولا شأنًا عسكريًا محضًا، بل هو جوهر الدولة . وعندما عجزت النخب عن بلورة تصور وطني جامع للأمن، تذبذبت مواقفها بين الصمت والتبرير والرهان. الأخطر من ذلك كان التطبيع السياسي مع السلاح خارج الدولة، سواء بوصفه أداة ضغط أو عنصر توازن. هذا التهاون في مبدأ احتكار الدولة للقوة لم يكن خطأً تكتيكيًا، بل خرقًا جوهريًا للعقد الاجتماعي.

ومع تعثر الداخل، لجأت النخب إلى الخارج. عجزت عن إدارة خلافاتها وطنيًا، فسلمت مفاتيح القرار للوساطات الإقليمية والدولية. ومع كل جولة تفاوض داخل أو خارج الحدود، كان السودان يفقد جزءًا من سيادته، ويتحول من دولة تبحث عن تسوية وطنية إلى ساحة تُدار وفق مصالح الآخرين. وهكذا لم يعد الخارج وسيطًا محايدًا، بل لاعبًا طامعًا، ولم تعد التسويات عادلة، بل مفصّلة على مقاس موازين إقليمية ودولية.

في هذا المناخ، لم تكن الحرب انفجارًا مفاجئًا، بل نتيجة منطقية لمسار سياسي فاسد فصل السياسة عن الاقتصاد، والشرعية عن السيادة، والدولة عن احتكار القوة. ومع صمود المؤسسة العسكرية، تحوّل الصدام ألطامع في السلطة عبر انقلاب ثم إلى حرب شاملة، كشفت عجز النخب، وعرّت هشاشة مشروعها، ووضعت البلاد أمام كلفة وجودية غير مسبوقة.

اليوم ومع استمرار الحرب، تُعاد إنتاج الأخطاء ذاتها بخطاب مختلف. دعوات الإقصاء، وتوسيع دائرة التخوين، ومحاولات تصنيف مكونات سياسية واجتماعية بوصفها خارج الوطنية ، تعكس ذهنية سياسية لم تتعلم من الكارثة. السودان لا يخوض صراع تيارات، بل معركة بقاء دولة. وأي تفكيك للجبهة الداخلية في هذا التوقيت لا يخدم العدالة ولا الانتقال، بل يمنح خصوم الدولة فرصًا إضافية، ويطيل أمد الصراع.

في المقابل، تكشف الاتهامات المتبادلة بين القوى السياسية عن انهيار كامل لمنطق التعاقد الوطني. فبدل الاحتكام إلى التحقيق المستقل، والمساءلة القانونية، والموقف الأخلاقي الواضح من الانتهاكات، ينحدر الخطاب إلى تخوين شامل، تتساوى فيه التهم، وتضيع فيه دماء المدنيين بين سرديات متصارعة. وهكذا تتحول السياسة من أداة بناء إلى وقود حرب.

تجارب المحيط الإقليمي تؤكد أن الخروج من الأزمات لا يتم عبر إقصاء الخصوم ولا عبر تدويل الخلافات، بل عبر إعادة تعريف دور النخب نفسها. حيثما التقت السياسة بالإنتاج، وحيثما ارتبط الخطاب ببرنامج اقتصادي واقعي، وحيثما حُسمت قضايا السلاح والسيادة وطنيًا، أمكن للدول أن تتجاوز أزماتها. هذه التجارب لا تُستنسخ، لكنها تُذكّر بحقيقة: لا دولة بلا توافق، ولا استقرار بلا اقتصاد، ولا سيادة بلا قرار وطني مستقل.

من هنا، تمثل مرحلة ما بعد الحرب اختبارًا أخيرًا للنخب السودانية. اختبارًا لا يُقاس بحدة الخطاب ولا بكثرة البيانات، بل بالقدرة على الانتقال من سياسة الخصومة الصفرية إلى سياسة التعاقد الوطني، ومن المعارضة إلي الإنتاج، ومن الارتهان للخارج إلى استعادة القرار الوطني، ومن الأيديولوجيا إلى الدولة.

بحسب #وجه_الحقيقة الفرصة ما تزال قائمة، لكنها لم تعد مفتوحة بلا شروط. إما أن تعيد النخب تعريف السياسة بوصفها أداة لبناء الدولة وحماية العقد الاجتماعي، أو تظل أسيرة ماضيها، شاهدة على انهيار لم يكن قدرًا، بل نتيجة خياراتها المخزية. وفي هذا المفترق، لن يكون التاريخ رحيمًا مع من امتلكوا الفرصة وأضاعوها.
دمتم بخير وعافية.
الأثنين 12 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى