تصحيح المسار: العدوان الاسرائيلي على غزة و لبنان ( النتائج و المآلات) : د. لؤي عبد المنعم محمد

قبل الحديث عن سيناريوهات الحرب في غزة و لبنان و آفاق الحل السياسي بعد عام على العدوان و في ظل دخول أطراف إقليمية ودولية على خط المواجهة.
أود اولا ان اسلط الضوء على ما يشهده كلا البلدين من دمار و صعوبات و تحديات جراء العدوان الاسرائيلي عليهما.
بالنسبة لقطاع غزة فقد تصاعدت الوفيات وسط المدنيين بشكل كبير جدا منذ بدء العدوان الإسرائيلي المبيت والذي اختار له نتنياهو اسم ( السيوف الحديدية) في السابع من أكتوبر 2023 و حتى تاريخ اليوم، حيث ارتفعت تدريجيا اعداد الشهداء إلى حوالي ( 41,909) مواطن فلسطيني منهم نحو 17 ألف طفل وأكثر من 11 ألف امرأة، ووفقا لمصادر طبية بلغ عدد المصابين حوالي ( 97,303) مواطن، فضلا عن وجود قرابة العشرة ألف مفقود تحت الانقاض او محتجزين لم يعرف مصيرهم بسبب القيود الاسرائيلية الى جانب خمسة الف اسير يتعرضون لكافة اشكال التنكيل و التعذيب و للاغتصاب و التحرش الجنسي للبعض منهم. وكل يوم يمر تزداد المأساة و تتسع رقعة القتال، و لتقريب المشهد اكثر، فقد تم حصر عدد كبير من الانتهاكات و الجرائم بحق المدنيين خلال ال 24 ساعة الماضية، حيث ارتكبت قوات الاحتلال عدد ( 43) مجزرة في القطاع اسفرت عن استشهاد ( 39) مواطن و اصابة ( 137) اخرين ممن تم نقلهم للمستشفيات. بينما بلغ عدد المجازر الكلي منذ بدأ العدوان بحق المدنيين حوالي ( 4650) مجزرة. حتى الصحفيين و العاملين في المنظمات الدولية و الانسانية لم يسلموا من القصف و القتل المتعمد فقد تم قتل حوالي( 172) صحفي و( 200) موظف من العاملين في قوافل الاغاثة. و تسببت الهجمات العسكرية كذلك في إخراج 25 مستشفى من أصل 35، و51 مركز رعاية أولية من أصل 72 مركزا عن العمل و استشهاد قرابة الالف من الكوادر الطبية. ومن اكبر جرائم الاجتياح الموثقة في اليوم العاشر هي قصف مستشفى المعمداني، مما أدى إلى استشهاد أكثر من 500 شخص لجأ للمستشفى أغلبهم من النساء والأطفال الى جانب عدد من الكوادر الطبية. هذا الى جانب تدمير عدد 377 مدرسة و112 مبنى جامعيا ومعهدا للدراسات العليا تدمير كامل او جزئي. و استشهاد حوالي 10 آلاف تلميذ وأكثر من 650 طالبا جامعيا، و أكثر من 500 من المعلمين و اساتذة الجامعات. و نتيجة للقصف العشوائي نزح مليوني شخص من سكان القطاع من شماله الى جنوبه بنسبة 90٪ من سكان القطاع، و اجبر 75٪ من السكان اي قرابة 1.7 مليون مواطن على العيش في خيم في ظروف قاسية مع تفشي الاوبئة و الامراض و نقص الغذاء. و بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية صنف 50٪ منهم في حالة طارئة و 25٪ في وضع كارثي من حيث الامن الغذائي، و اعتبرت منظمة الامم المتحدة للطفولة ( اليونيسيف) ان كل واحد من ستة اطفال دون الثانية من العمر يعاني سوء تغذية و 3٪منهم يعاني هزال شديد. و على صعيد البنية التحتية افاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن أكثر من 60% من المباني السكنية و65% من الطرق و 200 مبنى حكومي قد تدمرت بشكل كلي أو جزئي.
الى جانب تدمير 84٪ من المرافق الصحية و 67٪ من مرافق المياه و الصرف الصحي.
و بحسب تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) انخفض الناتج المحلي الإجمالي في غزة بنسبة 81% في الربع الأخير من عام 2023، وبحلول منتصف عام 2024، انكمش اقتصاد غزة إلى أقل من سدس مستواه في عام 2022.
الرد الفلسطيني من جانب المقاومة على هذا العدوان السافر جاء باسم ( طوفان الاقصى) في نفس اليوم و عكس جاهزية عسكرية غير متوقعة في ظل القبضة الامنية الاسرائيلية و الفارق الكبير في التسليح و الامكانيات بين الطرفين، وقد تم الاعلان عن مقتل ( 346) جندي اسرائيلي و( 1200) مستوطن و جرح ( 4473) و أسر عدد( 251 ) من جنود الاحتلال و سكان المستعمرات المحيطة بقطاع غزة، كما نزح من المستوطنين حوالي 57 الف لتجنب صواريخ المقاومة منذ بدأ الاجتياح البري، و بالتزامن مع شروع جيش الاحتلال في تنفيذ مخطط الاجتياح بمراحله الثلاثة التي تستهدف ضرب البنية التحتية للمقاومة ثم جيوب المقاومة تمهيدا لإقامة نظام امني جديد في قطاع غزة يضمن امن اسرائيل و مستعمراتها المحيطة بالقطاع، و هو ما فشلت في تحقيقه على الوجه الاكمل حتى الان برغم اقامتها ثكنات عسكرية في محاور استراتيجية في كل من نتساريم (الذي يفصل بين شمال قطاع غزة وجنوبه) ومحور فيلادلفيا (الذي يمتد 14 كيلومترا على طول الحدود بين مصر وقطاع غزة)، ، و لم يختصر العدوان على غزة وحدها، فعلى الرغم من التحذيرات الدولية، نفذ الجيش الاسرائيلي اجتياحا بريا في السادس من مايو 2024 على مدينة رفح جنوبي القطاع، و مما ادى الى نزوح سكان المناطق المتضررة، واستولى على المنطقة الحدودية مع مصر. ثم اعقب ذلك بعملية توغل في مخيم جباليا، مع استمرار عمليات القصف شرقي مدينة رفح، ضاربا عرض الحائط بقرار محكمة العدل الدولية التي دعت لوقف الهجوم فورا. ولضمان اضعاف المقاومة معنويا قام باغتيال رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس إسماعيل هنية في 31 يوليو 2024 في إيران، عقب اغتيال نائبه صالح العاروري في يناير 2024 في لبنان.
الجهود لوقف الحرب بدأت مبكرا منذ اندلاعها بقيادة الولايات المتحدة الامريكية و وساطة قطرية مصرية و هدفت لوقف اطلاق النار و تبادل الاسرى، و نجحت في عقد هدنة واحدة مؤقتة لمدة سبعة ايام في 24 نوفمبر 2023 اطلقت بموجبها المقاومة الفلسطينية 100 اسير اسرائيلي مقابل الافراج عن 240 اسير فلسطيني و دخول مزيد من المساعدات الانسانية. الا ان الطرفين الفلسطيني و الاسرائيلي لم يتوصلا لاتفاق دائم لوقف اطلاق النار تنسحب بموجبه اسرائيل من قطاع غزة بسبب تمسك الاخيرة ببقاء قواتها في المحاور الاستراتيجية التي اقامت فيها ثكنات عسكرية الى جانب اصرارها على تصفية و انهاء اي وجود للمقاومة الفلسطينية.
و في تقديري لولا الدعم المالي الكبير و الجسر الجوي و العتاد العسكري المقدم من الولايات المتحدة لإسرائيل، و الوعود بتغطية جانب من تكلفة ادارة القطاع بعد احتلاله لما اصرت اسرائيل على اطالة امد الحرب المفروضة على الشعب الفلسطيني للوصول الى مبتغاها، كما انه لا يوجد فرق كبير بين الحزبين المتنافسين في الانتخابات الامريكية ازاء دعم اسرائيل من ناحية استراتيجية.
و بغض النظر عن المكاسب التي حققتها المقاومة على صعيد تأييد و تعاطف الشعوب و عدد مقدر من الحكومات مع حق الشعب الفلسطيني في ان تكون له دولة ذات سيادة مكتملة، الا ان المعادلة الحاكمة للصراع هي في كونه بين جيش نظامي يمتلك اسلحة دمار شامل و اقتصاد متماسك و دعم امريكي غير محدود في مواجهة مقاومة شعبية تمثل قطاع واسع من الشعب الفلسطيني لها حلفاء في المنطقة. و من الواضح ان التصعيد الاسرائيلي تجاه حزب الله في لبنان منذ منتصف سبتمبر الماضي بصفته المساند الرئيسي للمقاومة الفلسطينية، و بحجة تأمين الشمال الاسرائيلي، الهدف منه كخطوة اولى هو ضمان استمرار الدعم الامريكي لإسرائيل في هذه المرحلة التي تشهد تصعيد غير مسبوق، و لتشابك المصالح الاستراتيجية بينهما، و لقطع الطريق امام اي ضغوط لاحتواء العدوان قبل تحقيق غاياته، فضلا عن التهرب من استحقاقات وقف اطلاق النار و تجنبا للمسائلة عقب مغادرة نتنياهو الحكومة سواء من الجنائية الدولية جراء ما ارتكبه من جرائم بحق الشعب الفلسطيني او من جانب خصومه الذين يحملونه فاتورة الحرب الباهظة. و هو تصعيد له ما بعده فمؤكد اغتيال الامين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله ثم محاولة اغتيال نائبه هاشم صفي الدين لن تمر دون رد، لكن طبيعة الرد يعتمد على موقف ايران و الى اي مدى يمكن ان تنخرط في النزاع.
العودة الى لبنان دوما كانت حلم يراود قادة اسرائيل بعد أن أُجبروا على الانسحاب منها بعد 18 عاما من غزوها عام 1982،و الذي استمر نحو 3 اشهر بحجة ضرب المقاومة الفلسطينية المتواجدة في لبنان ، وانتهى بخروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من العاصمة اللبنانية بيروت في نهاية أغسطس من نفس العام. أما في اجتياح عام 2006 فقد استمرت العمليات البرية 34 يوما و انتهت بوقف اطلاق النار، و قتل فيها حوالي 1191 شخصاً، أغلبهم من المدنيين، وعلى الجانب الإسرائيلي، قُتل 121 جندياً و44 مستوطن، و الذي جاء بحجة الرد على عملية عسكرية محدودة قام بها حزب الله استهدفت جنود اسرائليين. لكن هذه المرة فان المستهدف الرئيسي من اجتياح لبنان بعد غزة و رفح هو ايجاد فرصة لضرب المشروع النووي الايراني، و يبدوا ان ايران واثقة من قدراتها العسكرية و لديها تحالفات في المنطقة و خارجها تجعل الولايات المتحدة تفكر بتروي قبل ان تنخرط فعليا الى جانب اسرائيل في حربها التي تعتبرها مصيرية، خاصة ان الانتخابات على الابواب، لكن ليس هناك ضمان بعدم دخول المنطقة في حرب مدمرة متعددة الاطراف. و ازالة فتيل الازمة يفرض على الطرفين الفلسطيني و الاسرائيلي الجلوس للتفاوض. لكن ما لم تمارس الولايات المتحدة ضغوط على اسرائيل فان سيناريوهات الحرب قد تمتد لتشمل بلدان اخرى الى جانب لبنان فيما لو دخلت ايران الحرب بثقلها كسوريا التي طالما رفضت الوجود الاسرائيلي في الجولان و الذي اكتسب بعدا اقتصاديا مع تنامي عمليات التنقيب الاسرائيلي عن النفط بالرغم من مخالفة ذلك لمبدا السيادة على الموارد الطبيعية والحق الجمعي لاستخدام هذه الموارد، والذي يعبر عنه قرار الأمم المتحدة الصادر عام 1962، والذي يؤكد على حق الشعوب في السيطرة على مواردهم الطبيعية، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2006 الذي يؤكد الحق الحصري لأهالي الجولان في استخدام هذه الموارد. ايضا قد تمتد الحرب لتشمل كل من العراق و اليمن في مراحل متقدمة، لذلك ستسعى اسرائيل اذا ارادت خوض حرب خاطفة مع ايران الى تدمير القدرات النووية و العسكرية الايرانية في الاسبوع الاول للحرب، و هو امر بلا شك تتحسب له ايران منذ فترة طويلة، لذلك فان اشعال الفتيل كفيل بإشعال عدة دول في المنطقة و تأثرها اقتصاديا و امنيا بالقتال.
و ختاما يمكن القول ان الحل السياسي و ان بدا صعبا لكنه ممكن اذا تضافرت جهود دول المنطقة في اطار جامعة الدول العربية و منظمة التعاون الاسلامي و بالتعاون مع الامم المتحدة لنزع فتيل الازمة بالضغط على اسرائيل لوقف عدوانها و معالجة الازمة في اطار قيام دولتين وهو ما أكد عليه مجلس الأمن في قراره رقم 242 بعد حرب 1967 وسيطرة إسرائيل على معظم أراضي فلسطين التاريخية.

