الراي

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي : سدّ النهضة ومعضلة الأمن المائي

عاد ملف سدّ النهضة الإثيوبي إلى الواجهة، كقضية سياسية، تتصل مباشرة بسؤال الأمن المائي في وادي النيل. رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، وما تلاها من تفاعل سوداني مصري وصمت إثيوبي، كشفت أن الأزمة انتقلت من مرحلة إدارة الخلاف إلى مرحلة اختبار الإرادات، حول من يملك حق تقرير مصير مياه النيل.
إدراج سدّ النهضة ضمن أولويات السياسة الأميركية لا يمكن فصله عن الأمن والاستقرار في شرق أفريقيا ووادي النيل، حيث يُنظر إلى الأمن المائي كأحد أعمدة الأمن القومي للدول، كملف سياسي تنموي. بهذا المعنى، فإن الوساطة الأميركية المقترحة محاولة لإعادة ضبط ميزان التفاوض وتحريك جمود الملف بعد سنوات من المساعي غير المنتجة.
في هذا السياق، جاء الموقف السوداني سريعًا ومرحبًا، عبر تغريدة للرئيس عبد الفتاح البرهان على منصة “إكس” ، أعلن فيها دعم الخرطوم لمبادرة الرئيس الأميركي، والتأكيد على البحث عن حلول مستدامة تحفظ الحقوق وتدعم الأمن والاستقرار الإقليمي. دلالة هذا الموقف لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته وأداته، إذ حرص السودان على إعلان موقفه السياسي مباشرة، بما يعكس إدراكه لحساسية المرحلة ، ورغبته في تثبيت موقعه طرفًا أصيلًا في أي مسار تفاوضي قادم، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.
السودان، بحكم موقعه بين المنبع والمصب، وارتباط أمنه المائي بقواعد الملء والتشغيل والتنسيق بين السدود، يرى أن غياب الحل المنظم لا يشكل خطرًا نظريًا، بل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الوطني والإقليمي.
في المقابل، جاء الموقف المصري، عبر منشور للرئيس عبد الفتاح السيسي على عدد من المنصات الرقمية، ثمّن فيه رسالة ترامب، وأكد مركزية قضية نهر النيل باعتبارها شريان الحياة للشعب المصري، مشددًا على التمسك بمبادئ القانون الدولي وعدم الإضرار. هذا التفاعل السريع يعكس عقيدة مصرية ظلت ترى في ملف النيل قضية وجودية لا تقبل إدارة الزمن أو الرهان على حسن النوايا وحده.
القاهرة إلتقطت الإشارة الأميركية باعتبارها فرصة لإعادة الاعتبار للمسار الدولي، وتثبيت مرجعية قانونية واضحة، في مواجهة واقع فرضته إثيوبيا عبر الملء والتشغيل الأحاديين دون اتفاق ملزم. لذلك الرد المصري جاء تثبيتًا سياسيًا مبكرًا لسقف التوقعات وحدود المقبول.
أما الصمت الإثيوبي، فهو أكثر عناصر المشهد دلالة على عمق المعضلة. غياب أي رد فعل رسمي يعكس نهجًا قائمًا على التحكم في الإيقاع السياسي. أديس أبابا التي بنت خطابها لسنوات على السيادة ورفض التدويل، تجد نفسها اليوم أمام مبادرة تعيد الملف إلى الساحة الدولية، وتضعها أمام سؤال مهم : هل تقبل التفاوض على قواعد إدارة السد، أم تواصل إدارة الأزمة بمنطق الأمر الواقع مستندة إلى واقع إنشائي مكتمل؟ الصمت هنا ،يمثل مساحة للمناورة، وقياس لمدى جدية الوساطة الأميركية وما إذا كانت تحمل أدوات ضغط حقيقية أم تكتفي بالعرض السياسي.
هذا التباين في ردود الفعل يكشف عن ثلاثة مسارات سياسية متداخلة. السودان يتحرك بعقلية التوازن، ساعيًا إلى تقليل المخاطر وتعظيم المكاسب والحفاظ على دور الوسيط المتزن. مصر تتحرك بعقلية الاستباق لمنع تكريس واقع مائي يهدد أمنها القومي. أما إثيوبيا فتتحرك بعقلية إدارة الزمن، محاولة تحويل واقع السد القائم إلى نقطة انطلاق تفاوضية لا إلى موضوع تفاوض بحد ذاته. وبين هذه المسارات، تحاول الولايات المتحدة إعادة تقديم نفسها كوسيط قادر على جمع الأطراف، في لحظة تتنافس فيها قوى دولية أخرى على النفوذ في شرق أفريقيا وحوض النيل مثل الصين.
بالعودة إلى إعلان المبادئ الموقع في الخرطوم بين الدول الثلاث في العام 2015 تكشف أن الأزمة لم تكن يومًا في غياب المرجعيات، بل في ضعف آليات الإلزام. المبادئ العشرة التي شملها الاتفاق، بما حملته من تعاون وعدم إضرار واستخدام منصف وتبادل معلومات وتسوية سلمية للنزاعات، ما زالت صالحة نظريًا لإنتاج حل متوازن. غير أن تجاوزها عمليًا عبر الملء الأحادي حوّل النص من إطار للتوافق إلى مرجعية معلقة قانونيًا.
اللافت أن السودان كان قد وقع مع إثيوبيا في 26 أكتوبر 2022 اتفاقية ثنائية لتنظيم الملء وتشغيل سد النهضة، تشمل تحديد كميات المياه، جداول الملء والتشغيل، تبادل المعلومات، وضمان سلامة السد وفق توصيات الخبراء، مع آليات تنسيق فني ووزاري مستمرة. ويُبرر هذا الاتفاق المنفرد مع إثيوبيا الموقف الاستراتيجي للسودان، إذ يعيش نحو 20 مليون نسمة على ضفاف الأنهار، وتشكل الأراضي الزراعية في النيل الأزرق والنيل الرئيس دعامة حيوية للأمن الغذائي والاقتصادي. لذا يضمن الاتفاق حماية سكان السودان وموارده المائية والزراعية ويضعه في موقع إيجابي لمتابعة تشغيل السد، شرط الالتزام الكامل بما تم الاتفاق عليه من قواعد وآليات ولجان مشتركة.
وفقًا لذلك تظل هناك سيناريوهات محتملة لتطورات مسار تفاوضي جديد برعاية أميركية، الأول : إذا قبلت كل من مصر وإثيوبيا الدخول في جولة تفاوضية بقيادة أميركية، فسنشهد: انخراطًا متجددًا لمنظمات دولية مثل البنك الدولي، الاتحاد الأفريقي كجسور مصاحبة للمفاوضات. تسريع العمل على آليات فنية تتولى تحديد قواعد الملء والتشغيل للسد، مع ضمانات مكتوبة لتدفق المياه خلال سنوات الجفاف والجفاف الممتد.
الثاني: احتمال توقيع اتفاق إطار جديد يتجاوز اتفاقية إعلان المبادئ لعام 2015، لكنه يستند إليه مع آليات تنفيذ ورقابة أكثر فاعلية. هذه المسارات تعيد إنتاج مفهوم الشرعية التفاوضية للمجلس الدولي في إدارة الموارد العابرة للحدود، وتقوّض منطق فرض الأمر الواقع.الثالث : في حال تعثرت الوساطة الأميركية أو رفضت إثيوبيا العودة إلى الحوار، قد نواجه تصعيدًا دبلوماسيًا وأمنيًا يتخذ شكل بيانات متبادلة، يتبعه تقليص تمثيل دبلوماسي، أو تهديدات قانونية عبر المحافل الدولية. يمكن أن تلجأ مصر إلى رفع القضية إلى الأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية للمطالبة بآليات إنفاذ. احتمالات العقوبات الاقتصادية أو السياسية على إثيوبيا ليست مستبعدة، لا سيما من قبل جهات دولية ترى في هذا الملف اختبارًا لمعايير القانون الدولي. هذا التصعيد قد يدفع المنطقة نحو مناخ توتر طويل الأمد، يوسع دائرة الانقسامات بين دول حوض النيل.
بذلك ووفقًا ل #وجه_الحقيقة.. يتأكد أن عنوان هذا المقال توصيفًا لحقيقة سياسية قائمة: سدّ النهضة ومعضلة الأمن المائي. فهي معضلة لأن حلها لا يكمن في السد ذاته، بل في الإرادة السياسية التي تحكم تشغيله، وفي القدرة على الانتقال من منطق السيادة الصلبة إلى منطق الشراكة الملزمة. وإذا لم تُستثمر هذه التحركات لتحويل الوساطة الدولية إلى مسار جاد باتفاق واضح وضمانات حقيقية، فإن الأمن المائي سيظل سؤال مفتوح في وادي النيل، مؤجل الإجابة، حاضرًا في كل أزمة، وغائبًا عن أي تسوية مستدامة.
دمتم بخير وعافية.
الأثنين 19 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com

abubakr

محطات ذهبية موقع اخباري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى